أزمة إختيار رئيس الوزراء “المزمنة” في العراق

أزمة إختيار رئيس الوزراء "المزمنة" في العراق
ينتقد النص إعادة تدوير خيارات رئاسة الوزراء في العراق ضمن أسماء مجرَّبة وفاشلة، معتبراً أن الأزمة ليست أزمة أشخاص بل أزمة عقل سياسي يعجز عن الاختيار والقطيعة مع الفشل، ويُفضّل إدارة الأزمات على بناء دولة مستقرة....

في كل منعطف سياسي حاسم، تُـعيد الطبقة السياسية العراقية إنتاج المشهد ذاته: حصر الخيارات بمنصب رئيس الوزراء في أسماء معدودة، مُـجرَّبة، مُـدوَّرة، ومثقلة بإخفاقات واضحة، وكأن العراق عقيم عن إنجاب بدائل، أو كأن التجربة والفشل تحوّلا إلى “مؤهلٍ” لا إلى عِـبرة!

الأكثر إثارة للاستغراب أن هذا الحصر يتم في الوقت الذي يقرّ فيه كثيرون، سرّاً وعلناً، بوجود رئيس وزراء واحد أثبت نجاحاً واضحاً قياساً بغيره، سواء على مستوى إدارة الدولة أو القدرة على الإمساك بملفاتها الثقيلة ..

ومع ذلك، يُـدفع هذا الخيار جانباً، ويُـعاد فتح الدفاتر الصفراء ذاتها، بأسماء لم تترك في الذاكرة سوى الأزمات والتعقيد وانسداد الأفق.

لماذا الإصرار على السيد السوداني؟

السؤال لا ينبع من خصومة شخصية، بل من حصيلة واقعية ..

فالإصرار على السيد السوداني، رغم كل ما رافق تجربته من ارتباك في القرار، وتناقض في الخطاب، وإخفاق في بناء ثقة شعبية حقيقية، يكشف خللاً أعمق من شخص الرجل نفسه ..

إنه إصرار يعكس عجز الطبقة السياسية عن الاعتراف بالفشل، أو ربما خوفها من أي نموذج قوي لا يمكن تطويعه بسهولة!

يتوقون ويسعون لتقنين “الدگة” العشائرية على الطريقة السودانية لحل مشاكل البلاد!

هل بعد كل هذا الفشل لنا موعد مع فشل جديد؟

حين تُـدار الدولة بذات الأدوات، وبالعقليات نفسها، وبالأسماء ذاتها، فإن الإجابة تكون بديهية:

الفشل ليس قدراً، لكنه يصبح حتمياً عندما يتحوّل إلى خيار متعمَّـد!

وما يجري اليوم يوحي بأن بعض القوى السياسية العراقية لا تبحث عن النجاح، بل عن فشل يمكن السيطرة عليه وإدارته!

ولماذا يُـعاد الحديث عن العبادي والكاظمي؟

إعادة طرح السيد العبادي المحترم والمدعو الكاظمي ليست حنيناً إلى إنجازهما، بل عجزاً عن الإختيار السياسي الصحيح ..

السيد العبادي مثّـل مرحلة تردّد وضياع فرصة تاريخية والنصر الذي يتشبث به ليس نصره هو؛ النصر حققه “المگاريد” من ولد الملحة، والكاظمي جسّـد نموذج الدولة المُـدارة من الخارج، المرتبكة في الداخل، والعاجزة عن فرض السيادة أو بناء مشروع وطني متماسك ..

فهل نحتاج فعلاً إلى استنساخ تلك المراحل العقيمة؟

أم أننا لم نكتفِ بعد من دفع أثمانها؟

هل لا نزال بحاجة إلى أزمات جديدة؟

الإجابة المؤلمة:

الطبقة السياسية تتغذّى على الأزمات!

لأن الدولة المستقرة تُـنتج مساءلة، والدولة القوية تُـربك شبكات المصالح ..

أما الدولة المأزومة فهي البيئة المثالية لاستمرار النفوذ بلا حساب.

عقول داخل صناديق مقفلة

المشكلة الأعمق أن هذه الطبقة السياسية العراقية لا تفكّـر خارج الصندوق، ولا حتى من داخله، لأن عقولها نفسها تحوّلت إلى صناديق مقفلة:

  • مقفلة عن رؤية الواقع كما هو، لا كما يُـراد تسويقه.
  • مقفلة عن تقدير مصالح الجماهير الحقيقية، لا المصالح الفئوية الضيقة.
  • مقفلة على نوعية بائسة من الشخوص التي تحيط بها وتعيد إنتاجها في كل مرة.
  • مقفلة عن تقديم ما ينفع العراقيين فعلاً، لا ما يُـرضي التوازنات الهشّـة.

إن أزمة اختيار رئيس الوزراء في العراق ليست أزمة أسماء، بل أزمة عقل سياسي ..

عقل:

١- لا يجيد الاختيار.

٢- لا يمتلك شجاعة التقرير.

٣- لا يملك الجرأة على القطيعة مع الفشل.

وما لم يُـكسر هذا القفل، سيبقى العراق يدور في الحلقة نفسها، بأسماء مختلفة، ونتائج متشابهة، وأثمان يدفعها شعب لم يعد يحتمل فشلاً جديداً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *