لم يعد قرعُ طبول الحرب في منطقتنا حدثاً عابراً أو توتراً مؤقتاً، بل بات إيقاعاً ثابتاً في المشهد الدولي، تُـتقنه أمريكا المتورمة والكيان الصهيوني الإرهابي بوصفهما أداةَ إدارةٍ للفوضى، لا تمهيداً لحربٍ إقليميةٍ محدودة فحسب، بل استعداداً لمواجهةٍ “كونيةٍ” أكبر .. مواجهةٍ عنوانها الصاعد قد يكون:
التنين الصيني أو ما هو أكبر منه بكثير ..
أما غرب آسيا أو ما يسمى بالشرق الأوسط، كما يبدو، لم يعد سوى ساحة اختبار واستنزاف “مؤقتة” .. تُـستَـحضَـر فيه فنزويلا، وتُـلوَّح فيه كوبا، وتُـحاصَـر غزة التي قد تعود فيها المعارك سريعاً، ويُـستهدف لبنان: حزب الله الذي سيقاتل الصهاينة حتى الرمق الأخير، وتُـضغط سوريا أكثر لتُـقطع الأوصال المتقطعة، ويُـستنزف اليمن (اليماني الأهدى) لكي لا يكون البلد السعيد مؤثراً، فيما تُـهيَّـأ إيران الإسلامية لتكون
“المعركة الكبرى”
أو العقدة الأخيرة في هذا المسار ..
(الخراساني العتيد)
ليست هذه الجبهات منفصلة، بل حلقات في سلسلة واحدة، تُـدار بعقلٍ استراتيجيٍّ يرى في إشعال الأطراف وسيلةً لتأجيل الانفجار المركزي.
و روسيا القيصرية مُـنهكة أو مريضة “تركة الرجل المريض”
وتحاول الحفاظ على المتبقي من ثروتها -لم تعد ثروة بمعنى الثروة الحقيقي- التي كان يُـفترض أن تكون لاعباً موازناً، فقد أُشغلت -عن قصدٍ أو نتيجة- في حرب القرم “أوكرانيا”، حرب استنزاف طويلة حدّت من قدرتها على الفعل العالمي الحر، وحصرتها في دفاعٍ جيوسياسي بدل المبادرة ..
وأوروبا؟ تلك “سيدة عجوز” فقدت استقلال إرادتها. لم تعد تملك قرارها. ولا حتى شجاعة الاعتراض. تتخبّـط بين أزماتها الاقتصادية وخوفها الوجودي. تتحرك في الغالب بوصفها ظلاً لواشنطن وإرهابها لا شريكاً لها.
في هذا المشهد، يبدو العراق “العظيم” بقواه السياسية غير القوية وبطبقته السياسية المُـطبق عليها وبشعبه الذي لم يعد يقوى على الإستماع للأخبار السياسية التي تعنيه -إلا “عصائب” لا أدري هل هم نطف في الأرحام أم رجال في الثغور- ومع العراق الدول العربية كافة من المحيط الهائج إلى الخليج القلق، بلا مناعة حقيقية ..امرٌ طبيعيٌ جداً لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً ..
صودرت قراراتهم بين تبعية سياسية لقوى الغرب المتغطرسة (امريكا والصهيونية) وانقسام داخلي، وارتهانٍ اقتصادي …
هم ساحات لا لاعبين .. خرائط لا بوصلة لها ..لكن السؤال الأخطر: هل الصين صامتة؟ كل المؤشرات تقول: لا.
الصين لا تقرع الطبول، لكنها تُـعدّ المسرح .. لا تُـطلق التصريحات النارية، لكنها تُـراكم القوة بهدوء .. تنينٌ يقفز بسرعة قصوى في الاقتصاد، في التكنولوجيا، في النفوذ العالمي، ويعيد تعريف القوة بعيداً عن النموذج الغربي القائم على الحروب المباشرة ..
فهل أن واشنطن لا تعرف أو لا تريد أن تصرح بمعرفتها:
١- بأن زمن التفوق الأحادي يشارف على نهايته.
٢- أن الحروب الصغيرة قد لا تمنع الزلزال الأكبر، بل قد تُـعجّـل به.
العالم اليوم يقف على حافة مفارقة تاريخية:
عصرُ تقدّمٍ تقنيٍّ غير مسبوق ..ولكن هل يقابله استعدادٌ للارتداد قروناً إلى الوراء في القيم، في الاستقرار، وفي معنى الإنسان، وقد يكون الإرتداد في أشياء أخرى غير متوقعة؟
ربما! الأيام حبلى بما لا يُـطمئن .. بحروبٍ قد لا تُـشبه ما عرفناه ..وبانهياراتٍ قد تطال بنية النظام الدولي ذاته ..الأمرُ واردٌ جداً ومع ذلك ..وسط هذا الظلام، تبقى حقيقة واحدة عصيّـة على التزييف: القوة الحقيقية ليست في حاملات الطائرات، ولا في العقوبات، ولا في الإعلام المُـسيطر عليه .. بل في يد المؤمنين الحقيقيين ..
أولئك الذين لم تُـصادَر بوصلتهم، ولم تُـشترَ ضمائرهم، ويؤمنون بأن الحق -وإن تأخر- لا يُـهزم، وأن التاريخ، مهما طال انحرافه، يعود في النهاية إلى مساره، وإن الأرض التي تمتلأ بالظلم والجور ستُـشرق سريعاً -بإذن الله تبارك وتعالى- فيها شمس القسط والعدل ..
«لَتُمْلَأَنَّ الأرضُ ظلمًا وعدوانًا ، ثُمَّ لَيَخْرُجَنَّ رجلٌ مِنْ أهلِ بيتِي ، حتَّى يملأَها قِسْطًا وعدلًا ، كما مُلئَتْ ظلمًا وعدوانًا»


