ألقوش، رواية انبعاث حضارة الأجداد (نزهة في حديقة التاريخ والأساطير)

ألقوش، رواية انبعاث حضارة الأجداد (نزهة في حديقة التاريخ والأساطير)
تقدّم القراءة روايةً تمزج التاريخ بالأسطورة والأنثروبولوجيا لتشييد ذاكرة ألقوش وهوية أهلها عبر سردٍ متعدد الأصوات، يربط التربية بالحكاية، ويستحضر أسئلة الوجود والموت والإيمان والحب، ضمن بناءٍ لغوي شاعر ورؤيوي....

قراءة في رواية” ألقوش في ليال طوال” ل.عبد محسن حمودي

قراءة د. الهادي الهروي – المغرب، مراكش

سياق الرواية

يدخل هذا المؤلف في سياق المصنفات الروائية التي تمتح من تاريخ الشعوب وأنظمة حكمها وأساطيرها وملاحمها.فهي تتشابك مع التاريخ الاجتماعي وتلتحم بالبعد الانثربولوجي الذي يرصد نمط عيش الإنسان الألقوشي، وسلوكه، وتصرفه، وعلاقته مع رجال الدين والسياسة والجماعة، فتقرب المتلقي من نشاطه، وملبسه وتغذيته، وطرق طهيه، وشكل بيته، وأدواته، وأفراحه وأقراحه، ومقابره وطقوس دفنه لموتاه، ووجدانه وتدينه ومواجهته للكوارث الطبيعية والبشرية.

إن “القوش في ليال طوال” مؤلف روائي يخرج عن نطاق المتداول والمألوف، لكونه وثيقة تاريخية قادرة على التأليف بين أشكال متعددة من الخطابات السردية، كالتخييل والحلم والقص والحكاية والأحجية، كما أن صاحبها استدعى، بوعي أو بغيره، توظيف السوسيولوجيا والانثربولوجيا والفلسفة والدين، كل ذلك ثم بلغة شاعرية وبأسلوب واقعي جاف أحيانا، وفي أغلب الأحيان، بنكهة رومانسية حالمة مؤثرة، تشكف عن تمكن الروائي من امتلاك ملكة اللغة بكل مقوماتها…

شخوص الرواية

للروية نسق بشري وخيالي وأسطوري متعدد يؤثث أجزائها وفصولها، منها: العجوز مريام، الجدة القاصة الرئيسية التي يبنى عليها السرد الروائي، وخصوصا الجزء الأول منه. إنها ليست راوية وقاصة فقط بل هي معلمة ومربية مكونة لتوما، ومعدة من خلاله للتنشئة الاجتماعية في القوش ونينوى ولكافة أبناء العراق. إنها أيضا، المحافظ على جزء من التراث الشفهي والمكتوب، وعن المخطوطات التي ورثتها وحافظت عليها في صندوقها الخشبي القديم.

توما حفيد الجدة الذي اختار الرهبنة في كبره، واكتسب قيمة اجتماعية، ومرتبة محترمة داخل مجموع سكان ألقوش. هناك أيضا أم توما “ميرنا ووالده المزارع الصبور والكادح، وجماعة الرهبان والقساوسة والملوك والأباطرة والنساء.

مورفولوجية مكان الرواية: 

يتحدد مكان الرواية  جغرافيا، في منطقة ما بين النهرين، وإقليم نينوى،  وبالضبط  والتحديد قرية ألقوش وجبله.  فماذا يعني “ألقوش”؟ يبدأ الروائي “عبد محسن حمودي”، بتعريف كلمة ألقوش في الجزء الأول وبالضبط في الليلة الأولى، بإرجائه إلى أصله “إيل قوش”، وهو الإله العظيم الجميل المضيء، صاحب الحكمة والقدرة. كان يقيم بالجبل، ويحب شجرة متفردة سميت شجرة الحياة أو شجرة الخلود”؛ تسكنها أفعى ذات عين حارقة، وجلد يشبه جلد الإنسان الشرقي. تحولت إلى رماد بسبب رياح عاتية، ونار قوية، أفقدت الشجرة رونقها وجمالها من جهة، ومن جهة أخرى، تحت صراع الآلهة وسخطهم. إن الكاتب يقحمنا منذ البداية، في حديقة الأساطير والحلم والخيال. ويسترسل في وصف الجبل وسكانه وبيوتهم، وتجمعاتهم، ونشاطهم بأسلوب فني ممتع. وجد به كاهن أسمه “توديا”، واستعمر”كبا دمايا”، انعكف فيه على القراءة والتأول والتفكير في دورة الحياة والموت، رادا كل شيء ل”إيل قوش”.

إن بيت الجدة هو الفضاء الذي كان يتم فيه جزء من السرد الروائي، بل هو البيت التي تلقى فيه الدروس البيداغوجية أو التربوية والتكوينية. كان” مشيدا على كهف عميق قديم، وبابه الخشبي يفضي إلى ممر ضيق يكاد لا يتسع لمرور شخصين. يتوزع البناء على حوش واسع، يطل على جانبه الأيمن  تنور الخبز، وعلى يساره موقد الطبخ، بينما القبو في نهاية الحوش الذي كان في زمن سحيق كهفا، تحول مع مرور الزمن إلى زريبة تحوي بقرتين، ومجموعة من الدجاج والديوك ، فضلا عن مواد غذائية أخرى” (ص. 12)، (يشبه عندنا بالمغرب، في المنطقة الأمازيغية الآكادير، وجمعه الإيكودار). ويستمر الكاتب في وصف البيت الذي يمتاز بسلم حجري يتدرج إلى طبقتين.

زمن الرواية

إن البحث عن زمن الرواية يحيلنا إلى السؤال، من يسكن القوش  وجبله؟

تفصح قراءة الرواية بدءا من الصفحة 23 إلى 25على أن سكان الجبل الأصليون هم الكلدانيون، وتطلعنا على أنهم هم من استوطن المنطقة بعد الطوفان العظيم، ورحل بعضهم إلى الخليج العربي نحو بحر بلاد الكلدان (الأحمر)، وانتقل آخرون إلى ضفاف البحر الأبيض المتوسط، وبقي الجبل ذكرى لهم. ويذكر الكاتب بعض الصفات التي تميزوا بها، كالصبر والحكمة والذكاء والسحر والتنجيم والفلك، إلا أن أصولهم لازالت مغطاة بستر من الغموض(ص.35). بناءا عليه، يبدو أن زمن الرواية يتحدد بفترة حضارة الكلدانيين الذين استوطنوا الجنوب واسقطوا نينوى الآشورية، وينحصر في أعتاب جبل ألقوش وقريته، مما يدفنا إلى القول بأن للرواية طابعا محليا مونوغرافيا وأنثربوتارخيا.

العودة إلى الأصل، الجذر الأول

إن عبد محسن حمودي، وهو متمرس ماهر (Praticien accompli) كما يبدو من خلال منجزاته السابقة وعلى رأسها (الراية البيضاء)، ينبش في تاريخ بلاد الرافدين وبالضبط في ألقوش، ويؤسس لمفهوم المتصل التاريخي الذي لا يعني عدم قتل الماضي، إذ الميت في رأيه ينبعث لكي يعيش الحي على نحو صحيح. إنه بروايته يخرجنا من تجل ويقحمنا في تجل آخر من خلال إعداد النشء بمفتاح الحكي، وعبر استنطاق المخطوطات المتاحة، وهو الأمر الأول الذي ابتدأت به الجدة “مريام” حكيها لحفيدها “توما” والذي استغرق 15 صفحة.

لماذا يعود حمودي للتاريخ العميق لبلاده ؟ هل هو حنين وشوق متدفق للماضي؟ الماضي الذي لم تندمل بعد جراحه ويعتبره البعض ميتا؟ أم أنه يعيد بعثه باعتباره أحسن وأرقى من حاضره؟ وكيف لا وهو الأنصاري المهاجر لبلاده، التائه المغترب، كأمثاله في أمم الآخر المختلف والمخالف، رغم حبه لوطنه؟ ألا يكون نقطة من شتات العراقيين المبثوثين في كل بقاع العالم لظروف معروفة سياسيا؟ ألا يرسم بروايته هذه، خطاطة سؤال الهوية والحلم الجماعي والمعنى، وتأسيس العودة الكبيرة ولو نظريا؟

فضاءات الحكي

حاولت في قراءتي لهذه الرواية، توضيح كيفية فهم بنيتها وتحليل مضمونها على ضوء منهج سوسيوأنثربولوجي وفلسفي تأويلي، والكشف عن كيفية رؤية الكاتب للأحداث والسياق الأدبي الذي يتم فيه السرد، فتوصلت إلى أن ما يجذب قارئها، هو استقصاؤها لجذور الهوية العراقية، وبالضبط منطقة ألقوش وبيئته وجبله ومحاسن طبيعته، ورواسب تاريخه، وتتبع أثر آلهته، ورهبانه وأديرته وأشخاصه، وملاحمه وحروبه، وكوارثه، وعلاقات سكانه وسلوكهم وتضامنهم وحبهم أو كرههم، وتمسكهم بقوميتهم التي تتقادفها المخطوطات والرؤى والخيال والحلم. كما لفت انتباهي، محاولة الكاتب استعادة  ذاكرة منطقة القوش وحضارته المطموسة، وبواطن تراثها المنسي. ويبقى الهدف الأساسي في الرواية بأحداثها الغزيرة، ووقائعها الفخمة الغير قابلة للنقل المقالي أو الصحفي، هو تمجيد الإنسان الألقوشي.

من هذا المنطلق، يستعصي على المحلل أو القارئ أو الناقد، الإلمام بمدخلات 1الرواية ومخرجاتها إلماما تاما في بضع صفحات محدودة العدد، وذلك لضخامة حجمها وتراكم أحداثها وعمق محتواها وتنوع أجناسها الأدبية والعلمية؛ لذا اختصرت القول في استعراض عتبات أقسامها ولياليها وبطريقة مقتضبة.

قول في المضمون

تنقسم الرواية إلى جزأين كبيرين. تضمن الجزء الأول “بحثا أرشيفيا”، أبرز ما فيها عشر ليالي، أثثتها حكايات وطقوس الآلهة،وأساطير العجوز “مريام” وهي تروي لحفيدها الصغير توما، معتمدة على استعادة الذاكرة، وعلى ما احتفظت به من مخطوطات في صندوقها المهترئ، وأحلام الحفيد الجميلة. وقد استمر الحكي في “إيل قوش” المتميز بغليان أحداثه،  من الصفحة 11 إلى الصفحة  35،مما جعل القاصة  ذاكرة أرشيفية وثقت تاريخ الذاكرة الجماعية، واستعادتها شفهيا عبر الحكي والقص.

وفي الليلة الثانية (فردوس الأرض)، صور الروائي، بأسلوب معبر أخاذ،العاصفة والرياح الشديدة العاتية الغير مسبوقة، والمطر الغزير المنهمر على قرية القوش. عادت الجدة للقراءة واسترجاع الذكريات بعدما لاحظت بداية ضعف ذاكرتها. وبادرت نهارا، بإخراج المخطوط من صندوقها الأسود، وشرعت في قراءته  وعزمت على أن “تروي لحفيدها ليلا، قصصا تسافر به وإياها إلى عوالم جديدة، تتناغم فيها الجماليات مع التراجيديات”(ص.37). كان الهدف من روايتها تلك، تربية حفيدها على كسب ملكة الخيال، وإيقاظ ذكائه،وتكوين قلبه وروحه أو عقله وذوقه،كما قال جون جاك روسو في تربية (إميل) ، مضيفا في نفس الكتاب، بأن “التربية هي السلاح الأقوى والناجع الذي يمكن استعماله لتغيير العالم”. فالقصة الملائمة لذلك حسب الجدة، هي حكاية الكاهن توديا وفردوس الأرض، وبحثه عن العطر الغامض المنبعث من زهرة القمر، محاولا تكليم تمثال الإله الكبير، ليدله عن اسم الزهرة.ويصور الكاتب، بأسلوب شيق مثير، الأساطير التي تضمنتها الحكاية، بما فيها الطائر الذي حط على صخرة بجانب الكاهن، وبمقاره ورقة شجرة فسقطت الورقة، وكان ذلك فأل حسن خاصة عندما بدأ يشدو. ومنها أيضا، تأكيد الكاتب على الظلمة والنور وسحر المشهد الطبيعي، والمتعة الروحية التي تتحقق بصعود الجبل، وغرابة الكاهن توديا بالنسبة للماعز البري، ثم عودة الحياة للشجرة المحترقة فوق الجبل، لتنتهي الحكاية الغريبة بملاحظة الجدة، انبهار حفيدها الذي خلد للنوم، فنامت فرحة.

واصلت الجدة الحكي عن توديا في الليلة الثالثة، وقصت احتفالات عيد السنة في بداية شهر نيسان، ونزول الإله “إيل قوش” لينتشر الخير في الجبل. لقد افتتحت الجدة قصتها بقاعدة أمرية أو حكمة توجيهية تقول: “لا تترك عدوك يظفر بك، وإلا ستفنى دون رجعة “. إنها القصة التي تدور حول “سرجون الثاني واحتفالات “أكيتو” في “كالح نمرود، ووصية الملك العظيم لجيشه، وحثهم على عدم الخوف، ونسيان الألم والحزن والرحمة، وتجريد النفس من العواطف. فالمحارب بلا عاطفة وبلا خوف،إذ القوة وحدها هي المقدس لديه (ص.53). بناء على هذا المبدأ الذي رسخه “سرجون الثاني”  في ذهن قوته الانكشارية، كون جيشا قويا قمع به الثورات والحروب والأعداء، فعم الرخاء والثراء أرجاء الإمبراطورية الآشورية، وكان حلمه العظيم، بناء عاصمة جديدة تحمل اسمه “دور شاروكين” أي قلعة سرجون. في خضم هذه الليل، كانت الجدة تحكي أيضا عن نشأة قرية القوش وشعبها، واسم القوش عند الكلدانيين وعند السريان والعبرانيين والآراميين والآشوريين، ثم نزول الإله العظيم إلى الأرض، وتزيين البيوت احتفاء بقدوم الربيع، وعيد رأس السنة (أكيتو)التي تعني الحياة. في هذا الموسم، يتساوى الليل والنهار. أثناءه أقيمت مراسم القداس العظيم و”طقوس متنوعة، من تطهير وصلوات وتراتيل حزينة، إلى تلاوات وأدعية، وأداء مسرحية الخليقة (إينوما إيليش)، وذبح الكبش وتلطيخ ذمه على جدران المعبد ثم إلقاء جسده في نهر دجلة (.ص.61)(لازال هذا الطقس موجودا في البلاد العربية كالمغرب).في هذه الأجواء، يظهر الملك “سرجون الثاني” برفقة الكهنة، وبأبهة وشخص عظيم يمثل ظل الإله على الأرض وهو الحاكم المطلق، فساد الصمت والرهبة، والإعجاب والذهول والانضباط، والطاعة والخضوع والولاء. غير أن فوق كل قوة قوة أقوى وأعتى. فها هو الملك “سرجون الثاني” يخر ساجدا، خاضعا للإله آشور،إله الخصب وباعث الحياة، فتبدأ تلاوة تعويذة الغفران، ثم تعويذة الطاعة. وهكذا تروي القصة تراتبية الطاعة من الصغير إلى الكبير، ومن الضعيف إلى القوي، كما لاحظ ذلك توديا في لوحة من اللوحات المعلقة على جدران القصر، والتي تشير إلى قوة سرجون الثاني ومنها ” ملك السامرة، راكعا خاضعا بين قدمي سرجون الثاني، مقدما الولاء والطاعة، بينما كان سرجون ينظر إليه باستخفاف ممسكا صولاجان العرش(ص.67). كان المقام مذهلا في قصر الملك مع حاشيته، إلا أنه كان قلقا بسبب حلم استعصى على العرافة والكهنة والسحرة والمنجمين وأصحاب الحكمة والرأي تفسيره. استدعى الملك “سرجون” الراهب  توديا من بين الحاشية، عساه يجد تفسيرا له. شرع الملك في سرد الحلم الذي يدور حول حرب  وفارس بين نيران نهرين، ودماء، ووحش وصياح، وهتافات “إل قوش”. بعد ذلك شرع  توديا بتفسير حلم الملك مؤكدا له، بأنه رؤيا حسنة، تحمل معنى الحكمة والحياة المقدسة والنصر وقوة الملك التي تسحق الأعداء المتربصين به  وإخضاعهم لمملكته. إن براعة تفسير توديا  لحلم الملك، أوقعته فيما لا يرغب فيه، إذ اقترح عليه سرجون الثاني مصاحبه في غزوة ضد ولاية أشور التي رفضت دفع الجزية سنة 720 ق.م.، وهو موضوع حكي الليلة الرابعة(السبي الآشوري). تروي فيها الجدة، القتل والتخريب والتعذيب، وحرق مدينة السامرة، وأسر و سبي كثير من سكانها. كان من بين الأسرى فتاة يهودية ملائكية الجمال والخلق والخلقة اسمها سارة، تفنن الكاتب حمودي في وصف جمالها الساحر، وفي سقوط توديا مغرما متيما بها، وصراعه الداخلي بين الحب والإيمان، وبين الرغبة والكهنوت. شاع خبر حب الراهب توديا لسارة وتعاشقهما في القرية عن طريق توما الذي روى لرفاقه ما قصت عليه جدته، حيث نشر الرفاق بدورهم الخبر فشاع. كان هذا الحدث، وكره  توديا للحرب وويلاتها، خاصة الدمار والقتل والتعذيب والسبي الذي  لحق بسارة وأهلها، باعثان على اعتزاله في ملاذه الروحي وعودته إلى الكهف المخفي في الجبل، والتفكير في مسألة الحب والموت، وهو موضوع الليلة الخامسة. مأساة وتراجيديا، حزن وألم، حب وموت، مشاعر ومواصفات طبعت هذه القصة. فيها استدعى الإمبراطور شرجون الثاني الكاهن توديا لقصره في عاصمته الجديدة (دور ساروكين أو قلعة سرجون)،وأمره بمصاحبته  لخوض حرب بآسيا الصغرى، حيث سيقتل فيها الملك سرجون الثاني وتوديا معا، ودفنا بعيدا عن وطنهما عام705 ق.م. تألمت وحزنت وبكت سارة اليهودية كثيرا على توديا، فقدت على إثر موته معنى الحياة، وباتت ترى في هذا العالم عقابا لها. أضحت سارة تزور الكهف بألم وحزن عميقين، فأصابها الهزال والذبول. ظلت تستظل تحت شجرة البلوط لتعيش الذكرى مع توديا وتتطلع للأثرالجميل. استمرت على هذه الحال إلى أن قضت،  وانتهت القصة وتألم توما لهذه المأساة، مدركا فحوى التضحية من أجل الحب المثالي وقسوة الحياة.

يستمر حكي الجدة في الليلة السادسة، لتعلم الحفيد كيفية تمييز الناس، وتجنب الوقوع ضحية للأشرار،متخذة في ذلك، نموذج النبي “نحوم” وسقوط الإمبراطورية الأشورية، ومجمل الأحداث والأساطير في حياة النبي منذ ولادته وتأملاته، واعتباره “أن الحياة رحلة مؤقتة وكل الناس فانون ويبقى الوادي إلى الأبد”. ذلك ما يظهر من خلال صرخته التنبؤية: “نينوى كبركة ماء جف ماؤها”. مات “نحوم” بعد ترنيمة الحياة المنبعثة من الزهور التي عزفت لمعاناة البشر، وسقوط الإمبراطورية الأشورية على يد “نبو خذ نصر” بالتعاون مع جيوش “الميديين”. يأتي سرد حكاية ظهور الملوك وصعود مملكاتهم وأفول حضارة ونهوض أخرى، مؤكدة الجدة عظمة حضارة الرافدين. إنها دينامية العمران المبني بتعبير”عبد الرحمان ابن خلدون”على العصبية، أو كما ذهب إلى ذلك “أرنولد توينبي”.

جعلت الظلمات الحالكة توما يفتتن بالليل، خاصة وهو ينصت فيه للجدة وهي تروي”بشارة السيد المسيح”، حيث ترغب في أن يغوص حفيدها في أعماق التاريخ. قصت الجدة لتوما دلالة اسم المسيح في الآرامية والعبرية،وولادته وممارساته المقدسة،واستقامته وصلاحه، وانطباع صورته على “المنديل الأبيض” من طرف الرسام “حنانيا”، ونقله إلى الملك المريض “أبجر” ثم شفاءه، وبالتالي إيمانه بالسيد المسيح واحتفاظه بالمنديل في قصره، إلى أن نقل إلى أول كنيسة في تاريخ المسيحية بعد بنائها. بعد لذلك، نقله الرومان إلى القسطنطينية، ووضع في كنيسة”آيا صوفيا” الموجودة حاليا باسطنبول، واستقر أخيرا في كنيسة “مار برتلما” بمدينة جينوا ولازال بها إلى اليوم(ص.135).

في الليلة الثامنة التي تتخذ “الشهيد القديس ماركوركيس” موضوعا لها، تسمع الجدة نواقيس الكنائس معلنة بدء قداس يوم الأحد، فتتجه وحفيدها إلى الكنيسة لأداء الصلاة متذكرة مقولة السيد المسيح:”تعال،واتبعني، لتكن كاملا”. كان محور هذه الليلة  يدور حول المسيح وصورة السيدة مريم تحمل الطفل الإلهي، ووصف لوحاته داخل الكنيسة وطقوس الصلاة، وخطبة القس، وتجلي قوة الرب وحكمته من خلال كلمة السيد المسيح الكامنة فينا، وأهمية حمل الصليب.بناء عليه، بدأت الجدة تروي قصة وشرح اسم القس “ماركوريوس” ونسبه وولادته في بلدة كابادوكيا بتركيا التي سميت ب”مداخن الجن”، ومر بها الأشوريون قبل 3000سنة ق. م. عاش مع أمه يتيما متألما حزينا في صغره، متشبعا بالمسيحية ونقلته أمه إلى “اللد” بفلسطين، حيث لاحظ الأمير “يسطس” إيمانه وكلفه برعاية ماركوريوس.  و لما تولى الملك الفارسي الوثني داديانوس، طالب القس بحقوقه في حكم فلسطين فزج به في السجن بعد أن علم الملك بإيمانه المسيحي. أرسل الملك زوجته ألكساندرا إلى القس لإقناعه بالعدول عن دينه، وعرضت عليه أن يصبح حاكما على فلسطين. رفض القس العرض وفضل السجن، مما اثر في زوجة الملك فاعتنقت المسيحية وقطع الملك رأسها ورأس القس أيضا. حدث أن نقلت “الحجرة” التي سقطت عليها قطرة دم من القديس ودفنت في الجدار القريب من المذبح في الكنيسة التي شيدت باسم القديس ماركوريوس.

ومن روائع قص الجدة، ما جاء في الليلة التاسعة حول القديس الكبير “الربان هرمزد” من رغبة ملحة لتعليم حفيدها درس خلود القديسين وآثارهم وتجسيدهم للخير والمجد. تعود قصة حكي الجدة إلى حوالي 4000  سنة ق.م. وفحواها نشأة مدينة “لافاط- شيراز”، وأسطورة الملك الفارسي “طهمروت” مع الطيور والعفاريت، حيث جاب الأرض وأقاليمها على ظهر واحد من العفاريت، وكان أول من كتب بالفارسية. قدمت الجدة معلومات تاريخية هامة عن بلاد فارس وبطولات الأولين،  وعن شيراز، بذرة الحضارة الفارسية، وصراع حكامها. ذكرت لحفيدها أن “أنطاكيا” كانت نقطة انطلاق المسيحية وتبديد الظلام وهداية البشرية، والفضل في ذلك يعود للرسل الذين وصلوا إليها ورحب السكان بهم، وكان من بينهم رسول هام هو الربان هرمزد. حكت الجدة عن ميلاده وأسهبت في الحديث عنه وعن نبأ ميلاد نجم قد يكون السيد المسيح في بيت لحم، وسيقضي على العقيدة المجوسية. خاف ملك اليهود المجوسي “هيرودس”من الطفل المنتظر ذي الطبيعة الإلهية، وأمر بقتل كل الأطفال الذين لم يتجاوزوا السنتين مرتكبا بذلك مجزرة رهيبة. بلغ به الشر والرذيلة والشؤم إلى قتل إحدى زوجاته العشرة وعدد من أبائه، ليشع الحزن في مدينة القدس. وتستمر القصة بذكر وفاة الملك الجبار وخلفه ابنه هيرودس أنتيباس، الذي ورث عنه الوحشية والقتل فاعدم يوحنا المعمدان. ذكرت أيضا عودة يوسف النجار من مصر إلى الناصرة ومخاض السيدة مريم تحت النخلة، وفرح هرمزد ببشارة النجم. يرد في الحكي، أنشطة الربان هرمزد وعزمه زيارته قبر السيد المسيح.إذ ترك منزله وأهله وهو في الثانية والعشرون من عمره، متزودا بحكمة السيد المسيح، قاطعا قرى وصولا إلى مدينة “حالا” وانضمامه إلى الرهبان بدير برعيتا بدلا من الأماكن المقدسة. كما جاء في القص أيضا، أسماء مدن ومدارس، كالرها ونصيبين وأنطاكيا وشيراز، وأديرة، ورهبان كإبراهيم الكشكري وأنطوليوس المتصوف وتأثر هرمزد به بعد وفاته معلمه أنطوليوس،ونشأة مذهب الأنطونية الهرمزدية. بناء عليه، يتوصل الروائي عبد محسن حمودي إلى أن التخييل والكلام لا يروي كل الحكاية لعجز اللغة عن التعبير، المهم أن درس الطقس الديني بلغ منتهاه إلى أن الماضي، خصال خير وفضيلة.

بناء عليه، طلب الربان هرمزد من الربان سوريشوع انفراده في عزلة بكوخ في الجبل، فاستجاب له، وانقطع هنالك في كوخه عن الدنيا، متأملا في بؤس البشرية وما حل بها من جوع وقهر وقتل وكوارث، وفي تعاليم السيد المسيح ومعاناته وولادة القديسة مونيكا بمدينة  طاغاست التابعة لمملكة ميديا بالإمبراطورية الرومانية وتشبعها بالفضيلة الدينية، وزواجها تحت ضغط والديها، ب باتريشيوس المجوسي بالوراثة، والذي روقت منه بأبناء رفض تعميدهم ، مما أثر على حياتها واستمرت في الدعاء له بالهداية. لكنها  فلحت في أن جعلت من ابنها الأكبر مؤمنا  بالعقيدة المسيحية كما ذكر ذلك في كتابه الاعترافات،فتوفيت القديسة بسلام.

وفي ليلة نبوءة القديس ماريخا، وهي الليلة الحادية عشر، رغب توما أن تكمل جدته قصتها عن حياة الربان “هرمزد” وحبه للسيد المسيح، مؤكدة أن هرمزد حدس أن جبل القوش سيكون موطنه الأخير. استمرت الجدة في وصف جمال القوش، على لسان هرمزد،(بفنية القاص الحقيقي المتخفي حمودي) ، وصولا إلى مفاجئة الربان بالذئب وجها لوجه، ونبوءة القديس مارميخا لألقشيين بأنه سيكون لهم مرشد هام. تحقق لهم ذلك، عن طريق هرمزد، لكنه اشترط عليهم الالتزام بالرهبانية الأنطونية. استمر الربان هرمزد على وتيرة التبليغ وتجديد مفهوم الرهبة، إلى أن توفي عن عمر يناهز 87 سنة. انتهت الحكاية، وانتهت معها الجدة التي بلغت من العمر عتيا، ليفقد توما معنى الحياة بدفنها بمقبرة روميا.هنا مع حلول المساء، تبادر إلى ذهنه السؤال الفلسفي الهام عن معنى الحياة والموت، وماذا يخلف الإنسان وراءه بعد وفاته؟

انطلاقا من هذا التساؤل الفلسفي الأنطولوجي،تنقلنا الرواية إلى الجزء الثاني منها، وهو الجزء الذي تكون من عشرة فصول  بما يناهز مأتي صفحة. في هذا الجزء، تبدأ مغامرة توما مع وجوده، والبحث عن رسم معالم هويته، خصوصا وقد بلغ سن 16 عاما، وعليه مواجهة الحياة بعد فقدان جدته التي علمته كيفية تجاوز الصعاب، بما فيها مشاكل صباه. في الفصل الأول ينابيع الروح الأبدية، نلمس نتائج التربية الخلقية التي ظهرت معالمها في سلوكه، وميله إلى العزلة، ونبذ الشر وفعل الخير اقتداء بتعاليم السيد المسيح الذي عنف وصلب. تذكر توما أيضا الربان هرمزد  وقصة جدته والحمامة والثعبان وتفسيرها  لرموز القصة. وقد جاء الروائي حمودي عبد المحسن في هذا الفصل، بكثير من الأحداث التاريخية التي يفتقر إليها الكثير من شبان القوش اليوم، مثل المذابح التي ارتكبت ضد أجداد الألقوشيين، وغزو المغول، وسقوط بغداد على يد هولاكو، وذروة الاضطهاد في عهد تيمورلانك الأعرج، وحلمه بإعادة إمبراطورية جنكزخان، وقطع الرؤوس وتكديسها على أبواب المدن، وكذلك حملات الإبادة التي قام بها “نادر قلي” في عهد الشاه طهماسب الذي أمر جنوده بقتل الرهبان في دير الربان هرمزد وتخريب قبره. كان لهذه الأحداث التي قرأها توما وقعا كبيرا على نفسية، هذا الأخير الذي لجأ إلى دهليز مظلم لم يعد قادرا فيه على تحمل ظلامه، وكأنه واحد من شخوص أفلاطون داخل الكهف. (انظر فقرة توما في الغار).

أحداث كثيرة لا يمكن الإلمام  بها في كل فصول الرواية ضمن جزئها الثاني الذي تضمن العناوين التالية بعد الفصل الأول: سيمورامات- محبوبة الحمائم، وطائر القديس (طيرا د قديشا)ودير السيدة حافظة الزروع والزهرة البيضاء وسوار الحب وسطانائيل ولغز حجر السنونو وعقدة ليليث وانتقام ليليث وكان هو الفصل العاشر.

كانت ماهية توما تتحدد في ارتباطه بالسماء أكثر من ارتباطه بالأرض، خصوصا بعد الخيبة والمأساة التي دفعته إلى الزهد والتصوف. بحث توما عن مخطوط “هرمزد”الذي به مكان نبتة الخلود المتفردة بطبيعتها وطعمها من أجل حياة أبدية للبشرية.تضمنت الفصول أيضا، حب توما للفتاة الراعية الجميلة سيرين، وكذب أخوها عليه بإخباره بموتها، وتأثره بالحدث،وحواره مع “أباتي” حارس دير السيدة “حافظة الزروع”، ثم  انعزاله  فيه واكتشاف الملك سنحاريب كذبة “نادان” وإعدامه. تضمنت أيضا حقيقة ليليث المخادعة، الماكرة، التي أغوت حواء، فارتكبت الخطيئة، كما قتلت كاترين زوجة الملك “أسين”الذي سقط في شراك جمالها عندما تقمصت هيئة زائرة بالمقبرة إثر زيارته لقبر زوجته. دنت قربه كاشفة عن وجهها،  فأغواه جمالها ووقع في فخها، فدعاها إلى قصره، وافتتن بجسدها في لحظة الاختلاء، وكان خراب مملكته فوقعت الكارثة والفوضى لولا ظهور الراهب “أويشو” بصليبه  الذي أنقد الناس من خطاياهم (ص393.). وتنتهي الرواية ب: يعقوب الألقوشي، وفيه يمجد توما نشاط الفلاحين الذين يكدحون في حقولهم ومنهم والده، مما يثبت أن الألقوشي يحب أرضه ويخلص لها،لأنها معطاة بل هي هويته.

وفي الأخير يدعو توما ربه، ويتوسل للسيد المسيح،بأن تتخلى البشرية عن الشر القابع في النفوس ونكران الذات والتوجه إلى السماء بالدعاء؛ آنذاك سمع توما صوتا يناديه:((أترك كل شيء، واتبعني)).

المعمار المفاهيمي للرواية

إن الرواية سيرة غرابة وذاكرة ولتاريخ ، يعيد فيها الروائي عبد محسن حمودي بناء معمار القوش على تخوم الذاكرة والخيال والتخييل والعلم، وينتج عالما تاريخيا تراثيا  أسطوريا تتنازع فيه الآلهة والأرواح والملوك والأباطرة، وتتحول فيه الشخصيات الرئيسية إلى كائنات مقهورة بقلق وجودي وبمأساة الموت والحياة، وبحروب وانتصارات وانهزامات ونزاعات وصراعات من أجل مقاومة النسيان والضياع.

بناء عليه، شيدت الرواية على مفاهيم كثيرة، وعلى عدد من براديغمات التضاد والتقابلات  ترج ذاكرة وذوق القارئ وتحفزه على التساؤل، منها مفهوم الوجود والقلق والألم والعقل والإيمان والانهزام والانتصار والخلود والعدم والحرب والسلم والنظر إلى السماء والتأمل والتذكر والتفكير والنور والظلمة والانتقام. ومن أبرز مظاهر الانتقام في الرواية: انتقام “ليليث” الطيف الشرير والخبيث.

المعمار الفلسفي والديني للرواية

فلسفيا:

تضمنت الرواية نسقا من الرؤى والمفاهيم الفلسفية، خاصة رؤية الجدة والرهبان والقساوسة  والملوك والأباطرة لخلق العالم، وأصل الوجود من حيث هو موجود، والتأمل، والنظرة العميقة للسماء، والتساؤل عن أصل الأشياء، والدهشة التي كانت أساس انبثاق الفلسفة في الشرق وعند اليونان، كالدهشة من الموت والحياة، الموت الذي به تختفي الأشياء، وتغيب الذات، وتنبثق أو تدفق حيواة أخرى في أمكنة وأزمنة. تضمنت أيضا مفاهيم الحكمة والفضيلة والكمال وبدايتها في حضارة سومر وبابل وأكد ونينوى، وحددت صفات الحكيم كتلك التي للحكيم أحيقار(ص.264) أو لأباتي أو لهرمزد أو لسطانائيل ورؤيتهم للعالم وللكون وللإنسان، وفهم الدين والأخلاق والسلوك البشري، والخير والشر، والعودة إلى الذات. هذا إلى جانب توظيف وسرد عدد من الأساطير والآلهة والأرواح  والكائنات الغريبة والخيالية والأديرة والمدن والمواقع، والوحوش والطيور والأشجار والأوراق والكهوف. نلمس في الرواية أيضا، قوة الصراع بين قوى متضادة  كالظلام  والنور، الحب والكراهية، الإيمان والكفر، التدين والتمجس، الوجود والعدم، الجمال والقبح، الود والانتقام، التضامن والتنافر، الاختلاف والتوحد إلخ… ولا يفوتنا أن تشير أيضا إلى تضمين الرواية لبعد سيكولوجي نفسي، كالحالات النفسية التي يكون عليها الكاهن المنعزل في الدير، والهلاويس، والبرانويا أو الذهان والتوهمات، والرؤى والأحلام، كالبحث عن المستحيل مثل نبتة الخلود التي ظل توما يبحث عنها، النبتة التي تذكرنا  ب”آربن ارمينيوس البمفيلي” الذي عاد إلى الحياة بعد أن مات لمدة 15 يوما، فهل تناول نبته أو زهرة الخلود؟ نلاحظ أيضا حالات اضطراب الشخصية وصراعها أو الفصام المتجسد في عدم الحسم في الموقف مثل حالة الكاهن “توديا”، وزعزعة إيمانه إثر هيامه بسارة اليهودية، وتأثير علم أهل ألقوش بذلك، ثم شعوره بالذنب لاقتحامه  عالم المحظور وتركه عالم الرب والإيمان.

الدين في الرواية :

إن الجانب الديني والتديني، سواء في جانبه الوضعي أو السماوي، هو المهيمن على الرواية بشكليه الجلي المنفرد، أو في شكله الترابطي مع التاريخ والفلسفة وعلم النفس والانثربولوجيا والأسطورة. لقد برع الكاتب في توضيح أصل الدين المسيحي بولادة السيد المسيح، ومخاض السيدة مريم، وما عاناه طفلها من عنف وتصليب وإهانة وقتل، ومعاناة الربابنة، والكهنة من اضطهاد، ونبذ، وانتقام، دفع جلهم إلى التخلي عن ملذات الحياة، والانصراف للصلاة والزهد والتصوف.

توما في الغار:

يذكرنا توما في الغار بالنبي محمد (ص) مع أبي بكر في غار حيرا وبأسطورة الكهف الأفلاطونية، الدالة على “”صورة أطفال سجنوا  في كهف تطل فتحته على النور، ويليها ممر يوصل إلى الكهف، ظل هؤلاء الأطفال منذ نعومة أظافرهم معصومي الأرجل والأعناق بأغلال وسلاسل تمنعهم من التحرك من أماكنهم، ولا  يرون شيئا سوى ما يقع أمام أنظارهم. أوقدت نار من ورائهم عن بعد، في موضع عال تعكس ظلالهم وأخيلتهم، وعندما فكت أغلال أحدهم خرج من الكهف واصطدم بنور الشمس.  أدرك على إثرها، أن الأشياء التي كان يراها في الكهف  ما هي إلا ظلال وأشباح، أما الحقيقة فتوجد خارج الكهف، وبمعنى أفلاطون في عالم المثل..”

الموت في الرواية

إن الموت إشكالية فلسفية طرحت منذ وعى الإنسان ذاته وعالمه، فه ويأتي لملأ فراغات، ولسد كوات فيخلق آلاما وأحزانا.إننا لا نعيشه كفعل وكتجربة وليس كانبهار، ولكننا نعيشه كألم وحزن وفراق. الموت يجيء بالصمت المقرون بالمباغتة وبالدهشة وبالتساؤل عن الكينونة والمصير والمآل، عن تأمل الذات والعودة إليها وانحباسها في مجتمع وواقع، ليست الذات هي التي اختارته برغباتها ، وإنما فرض عليها.إن هذا الموت هو، حسب جون بول سارتر ومارتن هيدغر، انبثاق للوعي المنتفض على نفسه، على الغيرية التي تكبله وتعوق تحرره.الموت انقطاعات وتوقفات لسلسلة التمايزات، والأسبقيات، والولاءات التي تقود ذواتنا ومجتمعاتنا إلى المقصلة، إلى المحرقة (مدينة فناراسي، مثلا) فنتألم، نحزن، نحب أو نكره الموت بأنواعه الواردة في الرواية: موت الذات عزلة، فراقا، انتحارا أو سفك دماء أو قطع رؤوس، أو انتقاما بشم رائحة قاتلة، أو أكل نبتة، أو شرب سم، أو تصليب كالسيد المسيح ورهبان كثر، ألئك الذين دعوا الناس -ومنهم توما- على ألا يخافوا من الموت، مثل سقراط الذي تقبله بفرح وبهجة، أو مثل الشاعر الاسباني الكرماني Juan de Yespers)خوان ألفاريز دي ياسبيرس  Alvarez)المتصوف صاحب (La noche oscura del alma)الذي قال:”…لا تخف، إن الموت هو الوضع الطبيعي لجميع البشر…ومعظم الحقائق هي حقائق مظهر وعاجلا ! عاجلا أم آجلا، تضطر إلى مواجهة الليل المظلم من الروح”.

الخيال في منظومة الرواية

ناقش كثير من الفلاسفة والعلماء عربا وعجما مسألة التخييل والدور الإبداعي للخيال ومنهم:  إمانييل كانط وبول ريكور وجون بول سارتر و مارتن هيدغر وغاستون باشلار وموريس ميرلوبونتي…هذا الأخير الذي يرى أن الخيال يلعب دورا كبيرا في التعبير والتواصل. والتخييل حسب أفلاطون “… أكثر الملكات أو الأحوال الذهنية غموضا وأقلها يقينا، وأدناها مرتبة ؛ وذلك لأنها ملكة ترتبط بعالم  الصور والظلال والأشباح وكل ما له علاقة بالبعد عن الحقيقة”1 . لقدر ربط أفلاطون الخيال بعالم المثل.أما في تصور الفارابي وابن سينا، هو “ملكة تكون عند الإنسان (الروائي أو العالم أو الفيلسوف) في حال سكون الظاهر أو في اليقظة أو المرض “. واعتبره أبو حامد الغزالي ، إحدى الحواس الخمس الباطنة وسماه (المصورة). وكيفما كان الحال، فإن الخيال، في رأيي، لا يأتي من فراغ، ولا يتكون من لاشيء، بل من ورائه لغة وفقهها وفقه وعلم كلام وفلسفة وخيمياء وبصيرة ومادة وإرادة وتجربة وحس وجسد وروح وحدس وموقف وإيمان وصور ومعاناة. فإذا كان الروائي  عبد محسن حمودي قد مهر في توظيف الخيال والتخييل في “ألقوش في ليال طوال” ، فذلك ناتج عن إلمامه بفصاحة اللغة وفقهها وبلاغتها، وبالفقه وعلم الكلام والفلسفة والشعر والخيمياء، ناهيك عن تجارب الحياة وصلابة الموقف والمبدأ، والنضال المسلح مع حركة الأنصار، والدفاع عن المقهورين والمظلومين، ومجابهة الاستبداد والقمع والظلم، ومعاناة الهجرة والغربة والاغتراب، والانفتاح على ثقافة ودين وجنس الآخر المختلف والمخالف…فلا مناص من  أن يتمخض عن تراكم هذه المؤشرات  إبداع رفيع، ممتع ونافع، من صنف ” ألقوش في ليال طوال”. وما علينا أن نقول في الختام إلا: (اترك كل شيء، واتبعني).

– الخيال، من الكهف إلى الواقع الافتراضي تاليف: د. شاكر عبد الحميد. عالم المعرفة. 360، فبراير 2009،. ص.1321

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *