هذا المقال يبتعد كليا عن العلوم الروحانية الأسطورية ـ الغيبية لأنه اختط لنفسه منهجا علميا جدليا للوصول إلى حقائق غير محسومة، قد لا تتفق مع هذا المقال كثير من الآراء التي تطرح حول أصل اللغة العربية، وقد يثير جدلا متباينا، إذ يصعب الحصول على أدلة قاطعة لتحسم الأمر لأن الأدلة المقررة موجودة في باطن الأرض، وتحتاج لمن ينقب عنها، ويزيل عنها تراكم الرمل والطين والأحجار، وإن ما متوفر لدينا من أدلة هي يسيرة التي هي من اختصاص علماء الآثار والأنثروبولوجين، لذلك فهذا المقال الموجز المكثف يعتبر فرضية في كل الأحوال كي يفتح أبواب النقاش الأكاديمي النافع، والبحث عن الحقيقة. وهذا ما أتوخاه من حملة الفكر العقلاني ـ المنطقي لعلماء اللغة. وعليه سأتناول في هذا البحث القصير لمحة تبين أن أصل اللغة العربية هو من الحيرة وليس من النبطيين أو أنها كانت لغة قريش أو من الأنبار أو من شمال سورية، وهذه الفرضية لا تتنافى مع لغة القرآن الكريم على الإطلاق بل أن القرآن الكريم بآياته ومفرداته تؤكد صحة فرضيتنا هذه حيث أن كل حضارة تنتج لغة متطورة مقروءة ومكتوبة، لسن القوانين وصياغة المواثيق والعقود وتنظيم القيم بين الناس سواء في إدارة التعامل بين أفراد المجتمع وحق الملكية الخاصة أو ضبط حركة التجارة الداخلية أو الخارجية التي تسهم في التفاعل مع الآخرين ثم ينتج من هذا التفاعل المتآلف أدب سواء كان ذلك بدعاء أو ابتهال أو مراسم موت وأعياد الذي يطلق عليه أدب المعابد، وقد يتعدى ذلك ليكون شعرا كما في ملحمة جلجامش عند السومريين والبابلبين أو نثرا كما في كتاب الموتى عند المصريين القدامى. هذا، فاللغة مرتبطة بالحضارة وكلما كانت الحضارة متطورة كانت اللغة ترادفيا منبثقة ومتطورة من ومع هذه الحضارة، إذ الحضارة السومرية ـ البابلية أنتجت لنا ملحمة جلجامش والحضارة المصرية القديمة أنتجت لنا كتاب الموتى ثم أن حضارة اليمن القديمة أنتجت لنا الأبجدية فيما بعد السبئية، وأصبح طريق البخور الذي أطر العلاقة مع الحضارات الأخرى، فاللغة تتأثر بالحضارة وتتطور مع السياق التاريخي لها منذ بداياتها الأولى، إذ متطلبات الحضارة تحتاج إلى تفاعل مع واقع الحياة اليومية اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا في سن القوانين والشرائع، وهذه ميزة جوهرية لأي حضارة كي تستجيب لغة تلك الحضارة إلى متطلبات ذلك العصر في علاقة متناسقة منسجمة بل ومتوازية أشبه بتوأم بنيوي في وحدة تكوينية ذاتية، إذ من هذه النظرية الافتراضية ـ المنطقية نستطيع الدخول إلى موطن اللغة العربية الأصلي وهي مملكة المناذرة المنسية التي أنتجت لنا اللغة العربية الفصحى خاصة وإن اغلب الباحثين والمؤرخين يشيرون إلى بدايات اللغة العربية الفصحى كان القرن الخامس الميلادي.
وهذا ما يدعونا أن نتوقف عند حضارة المناذرة التي أنتجت لنا اللغة العربية الفصحى حيث لا يختلف اثنان أن اللغة العربية لغة متطورة في تركيب الجملة، واستخدام الاسم والفعل وحرف الجر الذي نلمسه في الشعر العربي الفصيح الذي قيل أولا في الحيرة وليس في شمال الجزيرة العربية، فمن هذه الفرضية لابد أن يكون لنا مدخلا إلى تلك الحضارة التي لم يتطرق لها علماء اللغة واللسانيات كأنها منسية ضائعة بالرغم من وجودها في التاريخ، وتؤكد بعض الأدلة الإخبارية والأثرية أن أصل اللغة العربية من مملكة الحيرة.
لقد بدأ التاريخ من جديد بعد انهيار سد مأرب أو كما يسمى في عدة مصادر سيل العرم حيث بدأت الهجرة من اليمن باتجاه وادي الرافدين، فشيدت مملكة المناذرة في العراق الحالي خاصة بعد زوال مملكة ميسان ومملكة الحضر ثم اصبحت تابعة إلى الإمبراطورية الفارسية التي تمردت عليها فيما بعد وخاضت ضدها معركة ذي قار المشهورة، وانتصر العرب فيها على الفرس، وسارت هجرة أخرى إلى بلاد الشام فشيدت مملكة الغساسنة التي صارت فيما بعد تابعة للإمبراطورية الرومانية كما تمت هجرة إلى الأردن الحالية، فشيدت مملكة النبط التي كان مركزها البتراء الحالية والتي يعتقد بعض الباحثين أن أهلها كانوا من العماليق وهم العرب البائدة لأنهم كانوا في ذلك الزمان هم الوحيدون الماهرون في تشيد البيوت في الجبال وتنظيم الري حيث استطاعوا أن يخزنوا مياه الأمطار في أحواض في الجبال ويمدوا منها قنوات وسواقي إلى أماكن تواجدهم. نعم، كان هؤلاء المهاجرون اليمنيون يحملون معهم تراث اليمن الحضاري الغني باللغة الأبجدية أي تلك اللغة المكتوبة آنذاك، فمملكة النبط تقع على طريق البخور بين اليمن وشمال سوريا والبحر المتوسط، فقد كانت تشرف على ممر تجاري حيوي ثم اختفت حين انتهت أهمية هذا الطريق التجاري، ولغتها لا تصلح للشعر.
الحيرة التي تعني ملتقى الطرق عاصمة المناذرة الذين هم بنو لخم، وقد استمرت هذه المملكة من عام 268م إلى 633م. كانت تحيط بها عاصمة الآشوريين نينوى ومملكة الحضر والأنبار من الشمال، ومدن الحضارة السومرية ومملكة ميسان من الجنوب، أما بابل عاصمة الكلدانيين ليست بعيدة عنها رغم أن هذه الحضارات والممالك كانت قد اندثرت أثناء بروز الحيرة خاصة بعد سقوط بابل على يد كورش الفارسي. اعتنق المناذرة الدين المسيحي إلا أن التعدد الديني كان موجودا فيها، فكان هناك الوثني، وكان هناك الأحناف، وكان هناك المندائيين، والمانويين، فحرية المعتقد شائعة آنذاك بمنهج التسامح الديني، وكانت ملاذا للعبرانيين أثناء تعرضهم للاضطهاد ثم تحولت إلى مركز تجاري وثقافي بعد أن انتشرت الأديرة فيها، فكانت تكتب باللغة الآرامية والسريانية والفارسية والعبرية في مداولاتها التجارية، لذلك تطلب منها أن تجد لغتها الخاصة بها كحاجة ضرورية ترفع من هيبتها ومكانتها الحضارية خاصة أنهم أول من قال القصيدة العربية المقفاة إلا أنها لم تسجل، وكانت في الحيرة أسواق لقول الشعر. فعملت على إيجاد لغة الكتابة، فكانت اللغة العربية. هناك مرويات كثيرة تؤكد أنهم كانوا يرسلون معلمين إلى مكة والمدينة يعلمونهم الكتابة باللغة السريانية والعربية، وعندما ظهر الاسلام لم يكن في عموم الجزيرة العربية يجيد الكتابة باللغة العربية إلا 18 شخص بينما كانت الحيرة تكتب باللغة العربية، ولذلك ليس إعتباطا عندما أشار طه حسين أن الشعر العربي قبل الاسلام كان منتحلا.
نعم، هذه اللغة المتطورة كانت تنتمي إلى حضارة، ولا يمكن أن تكون من قريش التي كانت قبائلها من شمال الجزيرة يشنون غزواتهم عليها، ولا يمكن أن تكون من الأنباط، فأهل الحيرة هم من العربية الجنوبية التي تعتمد خط المسند، وظهر في النقوش الحميرية، وقبلها السبئية في اليمن، واندثرت مع بداية ظهور الأبجدية التي استخدمها أهل الحيرة، لتكون لغة شعر وعبادة ودعاء، وما نقش النمارة الذي يشير إلى أمرؤ القيس بكونه ملك ملوك العرب إلا دليل واضح على هذه الرؤية التي تحتاج إلى بحث متواصل من أجل إغنائها بالأدلة الآثارية. هذا النقش يقول: (هذا قبر امرؤ القيس بن عمرو ملك العرب كلهم)، فقد كان للمناذرة قصور مشهورة التي ذاع صيتها مثل السدير والخورنق التي تحولت إلى بلاط للشعر، فيغدق ملوكها الهبات والعطاء على الشعراء. هذا، وقد اشتهرت الحيرة بالطب، وزراعة أشجار الفواكه خاصة النخيل، وعندما دخلها خالد بن الوليد غازيا، وعمل السيف في رقاب أهلها تعجب أنه كان يرى الحيوانات في أطرافها كالحمار الوحشي والأسود. أجل اشتهرت الحيرة أيضا بالحرفيين والتجار وصناعة النسيج والغزل والتطريز بالذهب والدبغ وكذلك صناعة السيوف والسهام ونصال الرماح والحلي وأدوات الزينة المرصعة بالأحجار الكريمة، وبرعوا أيضا في بناء القصور كما أشرنا، وكذلك الأديرة والكنائس، ودرس الكثير من ملوك الفرس في مدارسها لأنها تمثل الإشعاع الفكري آنذاك، وقد شاع الغناء فيها والعزف على العود والضرب على الدف والنفخ في المزمار وليس غريبا أن أطلق ملوكها على أنفسهم ملوك العرب لأنهم بسطوا نفوذهم على عموم الجزيرة العربية، فالخط العربي بدأ في الحيرة، وقرأت في أحد المصادر، إذ فيه إشارة إلى أن ملوك الحيرة كانوا يهتمون بالتدوين، ونسخ شعر العرب في كراريس لكن لم أجد إشارات إلى هذا التدوين في مصادر أخرى. نعم، أن الحيرة مهد الخط العربي، ويؤيد هذا الرأي المؤرخ البلاذري، وهناك من يعتقد أن الكتابة انتقلت من الحيرة إلى مكة عن طريق دومة الجندل.
أجل، ولهذا جاءت الكثير من الكلمات الفارسية والسريانية والآرامية في القرآن الكريم. هذا، وإن لغتنا العربية المتميزة بفرادتها في هذا الجمال والبلاغة والبيان استمرت وتطورت وتفاعلت اجتماعيا وثقافيا من خلال القرآن الكريم الذي بناها وكونها في حكمتها بإعجاز قرآني.

