تصدع النظام الدولي وتحولات القوى المتوسطة … أضواء حول خطاب مارك كارني أمام منتدى الاقتصاد العالمي

تصدع النظام الدولي وتحولات القوى المتوسطة ... أضواء حول خطاب مارك كارني أمام منتدى الاقتصاد العالمي
يتصدع النظام الدولي، وتتحول العولمة إلى أداة للابتزاز. أمام هذه التحولات، على الدول المتوسطة بناء قوتها الداخلية وتعزيز سيادتها عبر تحالفات مرنة وتقليل الاعتماد الأحادي. المستقبل للتعاون بين الكتل البديلة، لا للتبعية الخانقة تحت هيمنة قوة عظمى آحادية....

● التمهيد :

يشهد النظام الدولي تحولات جوهرية في ميزان القوة مع تصاعد النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي لبعض الدول و تراجع فاعلية المؤسسات الدولية وفي هذا السياق ألقى رئيس الوزراء الكندي مارك كارني خطابا أمام منتدى الاقتصاد العالمي في دافوس سلط الضوء فيه على تصدع النظام الدولي وطرح رؤية كندا والدول المتوسطة في مواجهة القوى العظمى .

خطاب مارك كارني تضمن خطوات عملية لكيفية تعزيز استقلالية الدول المتوسطة وبناء قوتها داخليا وخارجيا وتوظيف التحالفات بغية مواجهة الابتزاز الاقتصادي والسياسي .

  • أولا / أبرز ملفات ومحاور الخطاب :

١- التأكيد على ان النظام العالمي القائم على القواعد والضوابط لم يعد قائما وأنه قد دخل مرحلة تصدع لا انتقال سلس حيث باتت جيوسياسات القوى العظمى بلا قيود وان القوة هي العامل الحاسم .

٢- شدد مارك على أن القوى العظمى باتت توظف التعريفات الكَمركية لأجل الضغط السياسي والبنى التحتية المالية لغرض الإكراه ما حول العولمة من منفعة متبادلة بين الدول إلى مسار جديد لاخضاع الدول .

٣- مارك كارني حاول استعارة مفهوم فاتسلاف هافل حول العيش داخل الكذبة لأجل التحذير من تكيف الدول مع واقع زائف عبر الامتثال والصمت معتبرا أن ذلك هو ما يطيل عمر النظام الدولي غير العادل .

٤- أقر رئيس الوزراء الكندي بالحاجة إلى استقلالية استراتيجية في الغذاء والطاقة والدفاع ولكنه حذر في نفس الوقت من أن تحول كل دولة إلى قلعة لان ذلك يتسبب في إيجاد عالم أكثر هشاشة وأقل استدامة .

٥- طرح رؤية مؤداها أن القوى المتوسطة ليست عاجزة ولكنها تتعرض للخسارة اذا ذهبت صوب التفاوض المنفرد وبالتالي اذا أرادت أن تكسب نفوذا عليها أن تتكتل وتنسق مواقفها لغرض إيجاد مسار مؤثر .

٦- قدم معيار للسياسة الخارجية الكندية يقوم على السيادة وحقوق الإنسان مع الواقعية السياسية لأجل التعامل مع عالم غير مثالي تتباين فيه المصالح .

٧- عبر عن القوة الحقيقة التي ينبغي الاتجاه نحوها من خلال ربط بين السياسة الخارجية و القوة الداخلية التي تتمثل في مضاعفة الإنفاق الدفاعي وتعزيز القاعدة الصناعية والقيام في استثمارات ضخمة في الطاقة والذكاء الاصطناعي والمعادن الحيوية .

٨- دعا إلى إعتماد هندسة متغيرة في التحالفات تجاه مختلف القضايا وعدم الارتهان لهيمنة قوة واحدة أو إلى المؤسسات الدولية الضعيفة .

٩- شدد على ضرورة تطبيق المعايير نفسها على الحلفاء والخصوم وتسمية الواقع الذي يعيشه العالم باسمه دون تزييف مع تقليص مكامن النفوذ التي تتيح للقوى العظمى تنفيذ الإكراه الاقتصادي .

١٠- اختتم خطابه بالدعوة إلى التوقف عن التظاهر بأن النظام العالمي مازال قائما والعمل بدلا من ذلك إلى بناء نظام عالمي أكثر صدقا وعدالة من خلال تعاون الدول المتوسطة .

  • ثانيا / الأبعاد والدلالات والتداعيات :

١- بداية تشكل وعي جماعي لدى الوسط الدولي بأن الاستمرار كتوابع للقوى العظمى سيحولهم إلى ضحايا وبالتالي لابد من التوقف عن الاصطفاف التلقائي خلف الهيمنة الأمريكية وتقليص الاعتماد الأمني والاقتصادي الاحادي عبر بناء كتل بديلة مرنة تُخفف من الابتزاز والضغوط .

٢- تخلي كندا عن دور التابع المُطمئن في النظام الأطلسي والبحث عن دور قيادي في ظل تشكل النظام العالمي الجديد .

٣- النظام الدولي يواجه أزمة حقيقية حيث لم يعد قابلا للتسويق وان العالم قد دخل إلى مرحلة اقتصاد الأمن أولا لان الاقتصاد بات يمثل إحدى أدوات الحرب غير المعلنة .

٤- تشجيع بقية الاطراف الدولية والإقليمية من خطاب نقد الهيمنة الأمريكية وتفكيك السردية المظللة التي رُوج لها كثيرا من قبل وسائل الإعلام المختلفة بما يُسمى بالقانون الدولي .

٥- نسف الفرضية الليبرالية التي حاولت طوال الفترة الماضية أن ترسخ فكرة مؤداها بأن الاقتصاد منفصل عن الجيوبوليتيك .

٦- دعوة الدول المتوسطة لكي تختار منهجيتها المستقبلية بين ان تبقى تحت ظل التبعية للاقوى أو تتجه صوب التحالفات المشتركة لبناء قدرات فعلية على الأفعال المستقلة .

٧- السيادة الفعلية تعتمد على القدرة على تحمل الضغوط وامتلاك البدائل وقلة الاعتماد على الآخرين وليس الشعارات السياسية والا أصبحت السيادة شكلية .

٨- الهيمنة الأمريكية كانت مقبولة من قبل الحلفاء لأنها كانت توفر الأمن والاستقرار لهم ولكنها ما عادت كسابق عهدها حيث أصبحت مصدر للاضطراب واداة ضغط تجاه حتى الحلفاء .

٩- فقدان المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية لفعاليتها في حماية الدول لاسيما المتوسطة منها وبالتالي أصبح الاعتماد على قواعدها وهما يتسبب في مضاعفات عدة .

١٠- الخروج عن هيمنة النظام الدولي بشكل منفرد دون بناء التحالفات وإيجاد الشراكات قد يؤدي إلى الضعف الجماعي وبالتالي التحالفات الذكية والمتعددة بإمكانها ان تقلل المخاطر والتكاليف .

١١- الدول التي لا تستطيع أن تأمن احتياجاتها الأساسية تكون مجبرة على الخضوع للضغوط وفقدان خياراتها الاستراتيجية .

١٢- نسف مقولة ان استراتيجية الحياد أو الامتثال أو المسايرة قد توفر الأمان والاستقرار للدول الضعيفة أو التابعة .

١٣- تعزيز شرعية ومقبولة الدول داخل الأُطر المحلية عبر سياسات تحقق الاستقلال وتحمي المصالح العليا .

١٤- تطوير القدرات الدفاعية لأجل تقليل نقاط الضعف ومواجهة الإكراه الاقتصادي والسياسي أو الضغوط الدولية .

١٥- محاولة إعادة تعريف قواعد اللعبة الدولية وتشجيع الدول للخروج من الإملاءات الأميركية .

١٦- فقدان اميركا جزء من تأثيرها على الدول ما قد يساهم في إيجاد تعددية قد تكون أكثر توازنا على المسرح العالمي .

١٧- الهندسة المتغيرة الناتجة عن بناء التحالفات الجديدة للدول قد تصبح انموذج للعلاقات الدولية بدل الاعتماد على الهيمنة الأميركية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *