التمهيد :
في خطوة وُصفت بالمفاجئة من حيث الشكل والمضمون ، أعلن دونالد ترامب تعيين رجل الأعمال مارك سافايا، ذو الأصول العراقية الكلدانية ومؤسس أحد أكبر شركات توزيع الماريجوانا في ديترويت، مبعوثا خاصا له إلى العراق. يأتي التعيين من شخصية تفتقر لأي خبرة دبلوماسية او حكومية سابقة، ولكنها تمتلك تاريخا في دعم ترامب ماليا في حملته الانتخابية .
ترامب يُظهر ثقته في فهم مارك سافايا العميق للعلاقات بين البلدين وعلاقاته الواسعة في المنطقة، بينما يؤكد مارك سافايا التزامه بتعزيز الشراكة تحت قيادة ترامب .
• أولا / الأبعاد والدلالات :
١- يعكس تعيين مارك سافايا نهجا جديدا في السياسة الأمريكية تجاه العراق ، حيث تستعيض واشنطن عن النفوذ العسكري المباشر بشخصيات مدنية ذات طابع اقتصادي وشعبوي. وهذا التوجه يتماشى مع رؤية ترامب لعلاقات اميركا الخارجية القائمة على اساس الربح مقابل الولاء .
٢- توجيه رسالة إلى الجمهورية الاسلامية مفادها أن العراق لايزال ساحة مفتوحة للتنافس ، وان النفوذ الإيراني لن يبقى دون موازنة اميركية واضحة . علما أن هذا المبعوث ليس له صفة في السفارة الأمريكية ولكنه مبعوث خاص للرد على الطريقة الإيرانية في تعاملها مع الملف السياسي العراقي .
٣- تعيين مبعوث خاص قبيل الانتخابات البرلمانية يُفهم ضمن مساعٍ اميركية لاعادة هندسة الخارطة السياسية في العراق. اذ تسعى اميركا جاهدة لاضعاف قوى الإطار التنسيقي لاسيما الداعمة لمحور المقاومة، مقابل تعزيز قوى وأطراف أكثر توافقا مع التوجهات الاميركية. ولذا مارك هو أداة سياسية وانتخابية وليس جسرا دبلوماسيا.
٤- الاخبار تُشير بأن مارك سافايا ليس دبلوماسيا، ولا خبيرا في العلاقات الدولية، بل هو رجل أعمال يمثل نهج ترامب القائم على الاختراق الاقتصادي الناعم ، ولذا وجوده في العراق جاء لغرض إعادة التوازن لمصلحة اميركا في قطاعات اقتصادية مختلفة . لاسيما ان مهمته مباشرة وسهلة التنفيذ بحكم حرية التصرف وسعة المساحة المعطاة له .
٥- غياب الخبرة السياسية لمارك ليس ثغرة ، بل عملية مقصودة ، بغية التحرك خارج قوالب العمل الرسمي ، لفرض اجندات الادارة الاميركية، وتحقيق الاحتلال الناعم من خلال مسار اقتصادي وشعبي . والعمل على تهميش الخط المنافس لترامب داخل السفارة الأمريكية في بغداد.
٦- يشير تبني ترامب لمارك سافايا الذي يُحسب على الجالية الكلدانية ، إلى محاولة استخدام الاقليات كادوات للإدارة الاميركية في الداخل والخارج . والعمل على توظيفها كأداة اختراق ، واستكشاف لنقاط الضعف في البيئة المستهدفة ، مع ممارسة الضغط لتحقيق مكاسب اميركية قصوى. وهذا ما يشبه الدور البريطاني وآلياته وطريقته في التعامل مع الواقع العراقي إبان الاحتلال البريطاني للعراق من خلال المندوب السامي.
٧- إعادة ترتيب الأولويات الاميركية في العراق، بحيث لم يعد الملف الأمني والعسكري هو المحور الوحيد، بل لابد من الدمج مع الجانب الاستثماري والتجاري واستغلال النفوذ عبر الروابط الاجتماعية .
٨- البعض يتحدث بأن سافايا مكلف بملفات أساسية حساسة تشمل مستقبل الوجود الاميركي في العراق، وضبط السلاح خارج الدولة ، واعادة هندسة الاقتصاد العراقي.
• ثانيا / سيناريوهات مهام مارك سافايا في العراق ونتائجها المحتملة :
١- سيعمل مارك سافايا على ممارسة أدوار غير استفزازية، مع محاولة الحفاظ على التوازنات الهشة بين الاطراف الفاعلة في المشهد العراقي، و التركيز على ملفات اقتصادية واستثمارية حساسة ، وتحقيق اختراق ناعم وزيادة للهيمنة الاميركية بشكل تدريجي دون مواجهات مباشرة .
٢- تبني سافايا لخطاب عدائي تجاه فصائل المقاومة و الحشد الشعبي، والجمهورية الاسلامية، والعمل على تأجيج التوترات السياسية والامنية داخل العراق. مع تقديم الدعم للاطراف المناهضة لمحور المقاومة، مما قد يؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار السياسي والامني في المشهد العراقي.
٣- عدم قدرة مارك سافايا في تحقيق اي اختراق بسبب رفض الاطراف السياسية لشخصيته غير المؤهلة، واستقباله بالشك وعدم الثقة من اغلب القوى ، مما جعله عبء على الإدارة الأميركية وبالتالي ضرورة استبعاده عن العراق.
٤- العمل على إعادة ترميم بناء أدوات التأثير التي تمتلكها اميركا داخل العراق، والسعي لإيجاد قواعد نفوذ جديدة ضمن المشهد العراقي .
• ثالثا / المبعوث الاميركي وإعادة هندسة المشهد الانتخابي في العراق :
١- العمل على إعادة تشكيل الخارطة السياسية عبر دعم القوى المدنية او الليبرالية، و تعزيز نتائجها الانتخابية، مع تقليل فرص ظهور قوى سياسية كبيرة مناهضة ومعادية للوجود الاميركي في العراق.
٢- تهيئة بيئة و مناخ انتخابي ينسجم مع الرؤية الاميركية تجاه العملية الانتخابية ، من خلال ترتيبات عدة لها تأثير بنيوي في الانتخابات البرلمانية.
٣- ضمان خروج برلمان وحكومة أكثر انسجاما مع التوجهات الاميركية، والوقوف أمام مخرجات العملية الانتخابية لاسيما اذا كانت غير مرغوب بها ، وتفرض واقع سياسي مختلف عما تُريده الإدارة الاميركية.
٤- السعي لإضعاف قوى الإطار التنسيقي، من خلال اوارق ضغط متعددة ، ودعم كافة الرؤى والتصورات التي تؤيد عدم توحده مجددا بعد ظهور نتائج الانتخابات.


