التعرفة الكمركية بين تعظيم الإيرادات وحماية المستهلك ودعم المنتج المحلي

التعرفة الكمركية بين تعظيم الإيرادات وحماية المستهلك ودعم المنتج المحلي
رفع التعرفة الكمركية بشكل متكرر وصادم في العراق لم يحقق تعظيم الإيرادات المستدام، بل أدى إلى تضخم الأسعار وانكماش الاستيراد النظامي وتراجع القوة الشرائية، مع فشل ذريع في دعم منتج محلي حقيقي، مما يستوجب سياسة متوازنة ومستقرة...

تتناول هذه المقالة العلاقة الجدلية بين سياسة زيادة التعرفة الكمركية وتعظيم الإيرادات العامة من جهة، وتأثيرها على التاجر النظامي والقوة الشرائية للمستهلك من جهة أخرى، مع تقييم واقعي لمدى تحقيق هذه السياسة لهدف دعم المنتج المحلي. تعتمد المقالة التحليل، وتستند إلى مؤشرات مالية وسوقية متداولة في الاقتصاد العراقي. وتخلص المقالة  إلى أن زيادة التعرفة الكمركية بصيغتها الحالية لم تحقق تعظيمًا مستدامًا للإيرادات، بل أسهمت في تضخم الأسعار، انكماش الاستيراد النظامي، وتآكل القوة الشرائية، نتيجة غياب التكامل بين السياسة الكمركية وحماية المستهلك وسياسات دعم الإنتاج.

في ظل سعي الحكومة العراقية إلى تعظيم الإيرادات غير النفطية، في كل مرة تعلن فيها الحكومة عن زيادة في التعرفة الكمركية، يُقال إن الهدف هو تعظيم الإيرادات وحماية المنتج المحلي. لكن ما يحدث على أرض الواقع يختلف كثيرًا عمّا يُقال في البيانات الرسمية.

اذبرزت التعرفة الكمركية كأداة مالية رئيسة لتعويض العجز البنيوي في الموازنة العامة، خصوصًا مع استمرار اعتماد الدولة على النفط بما يفوق ثمانين بالمئة من مواردها. إلا أن تطبيق سياسة رفع التعرفة الكمركية خلال السنوات الأخيرة أظهر آثارًا اقتصادية واجتماعية متباينة، انعكست في اعتراضات التجار وتذمر المواطنين وارتفاع الأسعار.

فالمواطن يسأل ببساطة:

لماذا ترتفع الأسعار؟ ولماذا أدفع أنا الكلفة؟

هل يمكن تحقيق تعظيم فعلي للإيرادات الكمركية دون الإضرار بالتاجر النظامي ودون تحميل المستهلك كلفة اختلال السياسات؟

تكتسب هذه المقالة أهميتها من كونها تربط القرار المالي بالأثر الاقتصادي والاجتماعي، تقدم قراءة تطبيقية لنتائج السياسات الكمركية، لا الاكتفاء بأهدافها النظرية، تسعى إلى صياغة نموذج قرار متوازن يخدم الحكومة والسوق والمواطن في آن واحد.

نهدف إلى :

  1. تحليل أثر زيادة التعرفة الكمركية على الإيرادات العامة.
  2. تقييم انعكاس هذه الزيادة على التاجر النظامي.
  3. قياس أثرها على القوة الشرائية للمستهلك.
  4. دراسة مدى فاعلية التعرفة في حماية المنتج المحلي.
  5. اقتراح إطار سياسات متوازن ومستدام.

نعمل في المقالة على :

تحليل القرارات الكمركية والسياسات المالية ذات الصلة، وربطها بالنتائج الفعلية المتحققة في السوق.

دراسة انعكاس زيادة التعرفة على الأسعار، حجم الاستيراد النظامي، وسلوك التاجر والمستهلك، بالاستناد إلى مؤشرات سوقية تشير إلى أن مساهمة الإيرادات الكمركية في إجمالي الإيرادات العامة لم تتجاوز في أفضل الأحوال ثلاثة إلى خمسة بالمئة سنويًا، رغم التعديلات المتكررة على نسب التعرفة.

مقارنة التجربة العراقية بمبادئ السياسة الكمركية في الاقتصادات الناشئة، حيث تُعتمد الزيادات التدريجية المحدودة، وتُربط دائمًا بوجود بديل محلي حقيقي وبحماية المستهلك.

التعرفة الكمركية كأداة تنظيمية

تنظر الأدبيات الاقتصادية إلى التعرفة الكمركية بوصفها أداة لتنظيم التجارة الخارجية، حماية الإنتاج المحلي، وتحقيق إيرادات مساندة، لا أداة جباية رئيسة. وعندما تتحول إلى أداة مالية صرفة، فإنها تفقد وظيفتها التنظيمية، وتؤدي إلى تشوهات في السوق، أبرزها التضخم المستورد وتوسع الاقتصاد غير الرسمي.

تحليل للعلاقة الثلاثية (الحكومة – التاجر – المستهلك)

أثر زيادة التعرفة على الإيرادات العامة

رغم رفع التعرفة على عدد كبير من السلع بنسب تراوحت بين عشرين وثلاثين بالمئة، لم يتحقق نمو متناسب في الإيرادات الكمركية، اذ أظهرت المؤشرات أن كل زيادة في الكلفة الكمركية بنسبة عشرة بالمئة تقابلها خسارة في حجم الاستيراد النظامي تتراوح بين خمسة وثمانية بالمئة، ما يحد من الأثر الإيجابي المتوقع على الإيرادات.

هل زادت إيرادات الدولة فعلًا؟

رغم رفع التعرفة على عشرات السلع، ما زالت الإيرادات الكمركية تشكل نسبة محدودة من دخل الدولة، لا تتجاوز في أفضل الأحوال خمسة بالمئة. وهذا يعني أن المشكلة ليست في قلة الضرائب، بل في طريقة إدارتها.

فعندما تُرفع التعرفة بشكل مفاجئ، يقل الاستيراد النظامي، ويتجه بعض التجار إلى التهريب أو الانسحاب من السوق، فتخسر الدولة جزءًا من الإيرادات بدل أن تزيدها.

أثر التعرفة على التاجر النظامي

أدت الزيادات غير المستقرة في التعرفة، وغياب الأفق الزمني الواضح، إلى ارتفاع المخاطر التشغيلية للتجار، ودفع جزء من النشاط التجاري إلى القنوات غير الرسمية، الأمر الذي أضعف قاعدة التحصيل بدل توسيعها، وحوّل التاجر من شريك في الإيراد إلى متضرر من السياسة.

التاجر ليس العدو

التاجر النظامي لا يملك خيارًا سحريًا. عندما ترتفع كلفته الكمركية، فهو إما يرفع السعر، أو يتوقف عن الاستيراد، أو يخرج من النظام الرسمي. وفي كل الحالات، الضرر يعود على السوق والمواطن، لا على التاجر وحده. فالقرارات غير المستقرة جعلت التجارة مخاطرة بدل أن تكون شراكة مع الدولة.

أثر التعرفة على المستهلك والقوة الشرائية

انعكست زيادة التعرفة على أسعار السلع الاستهلاكية بارتفاعات تراوحت بين خمسة وعشرين وخمسين بالمئة، نتيجة تراكم الكلف الكمركية والنقل والتخليص، في وقت بقي فيه الدخل الحقيقي للمواطن شبه ثابت. وقد أدى ذلك إلى تراجع الاستهلاك وانكماش الطلب، ما أضعف الحركة الاقتصادية بدل تنشيطها.

من يدفع فعليًا؟ المواطن

الواقع واضح: كل زيادة في التعرفة انعكست على الأسعار بنسبة أكبر، أحيانًا وصلت إلى 25% أو حتى 50% على سلع يومية. وفي المقابل، الدخل لم يرتفع. وهنا تظهر الحقيقة المؤلمة: السياسة التي يُفترض أن تعظم الإيرادات، تضعف القدرة الشرائية، فتقلل الاستهلاك وتخنق السوق.

دعم المنتج المحلي بين الهدف والواقع

رغم أن حماية المنتج المحلي تُعد أحد المبررات الرئيسة لزيادة التعرفة، إلا أن الواقع يشير إلى أن أكثر من ستين بالمئة من السلع المشمولة بالحماية لا تمتلك بدائل محلية كافية من حيث الكمية أو الجودة. وبهذا تحولت الحماية إلى عبء سعري على المستهلك دون تحقيق تطور إنتاجي ملموس أو زيادة تشغيل حقيقية.

أين المنتج المحلي؟ يُقال إن رفع التعرفة يحمي المنتج المحلي، لكن السؤال المشروع هو:

هل لدينا بديل محلي حقيقي؟

في كثير من السلع، لا يوجد إنتاج محلي كافٍ أو بجودة مناسبة. ومع ذلك، تُفرض حماية كمركية، فيدفع المواطن سعرًا أعلى مقابل منتج غير متوفر أو غير منافس. وهكذا تتحول الحماية من دعم للصناعة إلى عبء على المستهلك.

مناقشة النتائج

أن سياسة رفع التعرفة الكمركية، بصيغتها الحالية، أدت إلى تضخم سعري دون تعظيم مستدام للإيرادات، إضعاف التاجر النظامي، تحميل المواطن كلفة اختلال السياسات، وفشل نسبي في تحقيق حماية إنتاجية فعالة وهذا يعكس غياب التكامل بين السياسة الكمركية وسياسات حماية المستهلك ودعم الإنتاج.

ما الحل؟

الحل ليس في إلغاء التعرفة، ولا في ترك السوق بلا تنظيم، بل في التوازن: تعرفة مدروسة، لا صادمة. استقرار في القرار، لا تغييرات مفاجئة. حماية للمستهلك قبل الجباية. دعم للمنتج المحلي بشروط الجودة والتشغيل، لا بالشعارات.

النموذج المقترح لسياسة كمركية متوازنة

تقترح المقالة  اعتماد نموذج يقوم على:

  • زيادات تدريجية محدودة لا تتجاوز خمسة إلى عشرة بالمئة سنويًا.
  • تثبيت التعرفة على السلع الأساسية لفترات لا تقل عن ثلاث سنوات.
  • ربط أي حماية كمركية بمعايير جودة وإنتاج وتشغيل فعلية.
  • اعتبار أي ارتفاع يفوق عشرة بالمئة في أسعار السلع الأساسية مؤشرًا لخلل يستوجب المراجعة.

تخلص المقالة إلى أن تعظيم الإيرادات لا يتحقق عبر رفع نسب التعرفة بحد ذاتها، بل عبر استقرار القرار الكمركي، توسيع القاعدة النظامية، تقليص التهريب، وتحقيق توازن عادل بين الحكومة والتاجر والمستهلك.

تعظيم الإيرادات لا يتحقق برفع الأسعار على الناس، ولا بحشر التاجر في زاوية، ولا بحماية منتج لم يتطور. القرار الاقتصادي الناجح هو الذي يزيد إيرادات الدولة دون أن يشعر المواطن بأنه يُعاقَب على كل عملية شراء. وغير ذلك، سنبقى ندور في حلقة: تعرفة أعلى… أسعار أعلى… سوق أضعف… وإيرادات أقل.

نوصي

  1. اعتماد دراسات أثر اقتصادي قبل أي تعديل كمركي.
  2. إشراك ممثلين حقيقين عن غرف التجارة لا طارئين همهم ارضاء السلطات وتبرير إخفاقاتها دون خبرة او كفاءة في صياغة القرارات.
  3. ربط التعرفة بسياسة حماية مستهلك فعلية.
  4. الانتقال من منطق الجباية إلى منطق التنظيم الاقتصادي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *