البيان الكمركي المسبق والتعرفة الجديدة: إصلاح إداري أم ترحيل إخفاق الحكومة إلى جيب المواطن؟

البيان الكمركي المسبق والتعرفة الجديدة: إصلاح إداري أم ترحيل إخفاق الحكومة إلى جيب المواطن؟
يتحدث النص عن التعرفة الكمركية الجديدة و يناقش آثارها على جيب المواطن و مدى تأثيرها الفعلي في مكافحة التلاعب و تعظيم الايرادات ...

تسوّق الحكومة العراقية، عبر الهيئة العامة للجمارك، حزمة من الإجراءات الجديدة تحت عناوين “الإصلاح”، “مكافحة التلاعب”، و“تعظيم الإيرادات”، من بينها تطبيق البيان الجمركي المسبق على جميع السلع، إلغاء نظام المقطوعة للحاويات، واعتماد تعرفة جمركية جديدة على عدد من المواد، بينها السيارات الهجينة والذهب. غير أن القراءة التحليلية العملية لهذه القرارات تكشف فجوة واضحة بين الخطاب الإصلاحي المعلن والأثر الاقتصادي الحقيقي المتحقق على المواطن والسوق، بما يجعل هذه السياسات أقرب إلى أدوات تغطية إخفاق مالي مزمن لا إصلاحاً هيكلياً حقيقياً.

البيان الكمركي المسبق… أداة تنظيم أم عبء إضافي؟

نظرياً، يعد البيان الكمركي المسبق أداة معتمدة دولياً لتقليل التلاعب وتسريع التخليص، لكن عملياً، وفي بيئة عراقية تعاني من ضعف البنية الرقمية، وتضارب الصلاحيات بين الجمارك، الضرائب، المصارف، والبنك المركزي، وغياب الاستقرار في التعليمات التنفيذية، فإن تطبيقه الشامل والفوري ينقل عبء عدم الجاهزية المؤسسية إلى التاجر، الذي سينقله بدوره مباشرة إلى سعر السلعة النهائي.  النتيجة: المواطن لا يستفيد من “التنظيم”، بل يدفع ثمن التعقيد الإداري وإخفاق التنسيق الحكومي.

إلغاء نظام المقطوعة… نهاية التشوه أم بداية فوضى تسعير؟

إلغاء نظام المقطوعة للحاويات قُدّم بوصفه خطوة نحو العدالة والشفافية، غير أن السؤال الجوهري هو: هل تملك الكمارك القدرة الفنية والرقابية لتقييم كل مادة وفق قيمتها الحقيقية دون مزاجية أو تفاوت؟ ففي ظل غياب قواعد تقييم موحدة وشفافة، وضعف الرقابة على لجان الترسيم، وتفاوت التطبيق بين المنافذ، يتحول الترسيم “حسب المادة والقيمة” من عدالة نظرية إلى باب جديد للنزاعات والابتزاز والتقدير المزاجي.  الأثر النهائي: تأخير التخليص، زيادة الكلف التشغيلية، وانعكاس مباشر على الأسعار الاستهلاكية.

التعرفة الجديدة… من يدفع فعلياً؟

رغم التأكيد الحكومي أن “السلع الأساسية لم تتأثر كثيراً”، إلا أن التحليل الاقتصادي العملي يثبت أن أي زيادة في كلف التخليص، الرسوم، أو زمن التخزين، وأي تعقيد في التحويل المالي المسبق، تُحمّل تلقائياً على سلسلة السعر كاملة، وصولاً إلى المستهلك النهائي، لا سيما في المواد الغذائية المستوردة جزئياً، والأجهزة المنزلية، ومستلزمات النقل والطاقة. أما فرض رسم كمركي على الذهب والسيارات الهجينة، فيأتي في توقيت يعاني فيه السوق من ركود، ويبحث فيه المواطن عن بدائل أقل كلفة للطاقة والنقل، ما يجعل القرار مالياً قصير النظر واقتصادياً مثبطاً.

السيكودا… نظام ذكي في بيئة غبية

الحديث عن استقطاع الأمانات الضريبية وتحويلها إلكترونياً عبر (ASYCUDA) يبدو جذاباً، لكنه يتجاهل ضعف التكامل بين الكمارك والضرائب، وبطء تسوية الحسابات، وتراكم الأرصدة المعلقة للمكلفين.  النتيجة: تجميد سيولة التجار، تقليص نشاطهم، ثم تحميل المواطن نتيجة انكماش العرض وارتفاع الأسعار.

إصلاح شكلي… وأزمة حقيقية

هذه القرارات لا تعالج إخفاق السياسة المالية، ولا العجز عن ضبط الإنفاق العام، ولا ضعف إدارة المنافذ غير الرسمية، ولا تهريب السلع خارج النظام الكمركي، بل تمثل سياسة جباية مقنّعة، تُسوَّق كإصلاح، بينما تُرحَّل كلفة الإخفاق الحكومي إلى السوق، ويدفع المواطن البسيط الثمن تضخماً وغلاءً ومعيشةً أصعب.

النتيجة النهائية

عندما تعجز الحكومة عن إصلاح ماليتها، تلجأ إلى الكمارك.

وعندما تخفق الكمارك في التنظيم، يدفع المواطن الفاتورة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *