يؤكد البنك المركزي العراقي، بلهجة مطمئنة، أن سعر صرف الدولار ثابت عند 1320 دينارًا، وأن لا تغيير في السياسة النقدية. تصريح لو كان يعكس الواقع، لكان المواطن أول من يصفّق له، لكن المؤسف أن السوق لم يحضر المؤتمر الصحفي.
ثبات على الورق وارتفاع في السوق
بينما يتحدث البيان عن 1320 دينارًا، يتداول الدولار في السوق الموازية بين 1470 و1550 دينارًا، أي بفارق يصل إلى 230 دينارًا للدولار الواحد. هذا الفارق ليس رقمًا عابرًا، بل يعني عمليًا انخفاض القوة الشرائية بنسبة 11% – 17%، وتضخمًا مستوردًا يطال الغذاء والدواء ومواد البناء، وتسعير السلع على أساس “سعر غير معترف به رسميًا”. فأي ثبات هذا؟ ثبات في البيانات… أم في حياة الناس؟
السوق الموازية شماعة جاهزة للفشل
يعيد البنك المركزي تحميل المسؤولية لـ“الطلب غير الرسمي خارج المنظومة المصرفية”، وهنا تبدأ الكوميديا الاقتصادية. فلو كانت المنظومة المصرفية قادرة على تنفيذ التحويلات بسلاسة، واستيعاب الطلب التجاري الحقيقي، والعمل دون قيود خانقة، لما وُجدت سوق موازية أصلًا. السوق الموازية ليست أصل الداء، بل أثر جانبي لسياسة نقدية معزولة عن السوق.
اعتراف غير مقصود السوق خارج السيطرة
حين يقرّ البنك بأن الطلب خارج المنظومة، فهو يعترف – من حيث لا يدري – بأن السوق الحقيقي أكبر من أدواته، وأن السياسة النقدية لا تمسك بعصب الاقتصاد، وأن القرارات تُصاغ لنظام مثالي لا وجود له. فهل المطلوب إصلاح السوق… أم الاعتراف بأن السياسة لا تراه؟
الرسم الجمركي المسبق قرار أشعل النار ثم سأل عن الدخان
يعترف البيان بأن تطبيق الرسم الجمركي المسبق لأغراض التحويل شكّل ضغطًا، لكن الحقيقة أن هذا القرار رفع كلفة الاستيراد قبل دخول البضاعة، وفرض على التاجر تأمين الدولار نقدًا، ودفع الطلب مباشرة إلى السوق السوداء، ونقل الأزمة من الجمارك إلى سعر الصرف. وبعد كل ذلك، يُطرح السؤال بدهشة: لماذا ارتفع الدولار؟ وكأن القرار فُرض من كوكب آخر لا من داخل مؤسسات الدولة.
سياسة إنكار بدل سياسة علاج
المشكلة لم تعد في ارتفاع الدولار فقط، بل في الإصرار على تثبيت شكلي للسعر، وتجاهل الفجوة بين الرسمي والفعلي، وخطاب إعلامي لا ينعكس على السوق. فلا جدول زمني واضح، ولا مراجعة للأدوات، ولا اعتراف بأن السياسة الحالية فشلت في إدارة الطلب.
الخلاصة التي لا تُكتب في البيانات
حين يكون الدولار 1320 في التصريحات، و1500 في السوق، و1550 في تسعير السلع، فإن الحقيقة أبسط من كل التبريرات: السعر ثابت فقط على الورق، والسياسة النقدية أصبحت موازية للواقع. الدينار لا يتآكل لأن السوق “غير رسمية”، بل لأن القرارات الرسمية تُدار وكأن السوق غير موجود.


