ترامب يشعل حرب الرسوم الجمركية ضد أوروبا

ترامب يشعل حرب الرسوم الجمركية ضد أوروبا
تحوّلت جرينلاند من أطماع جغرافية إلى ذريعة لشنّ حرب رسوم جمركية أميركية ضد الحلفاء الأوروبيين. الصراع يتجاوز الجزيرة إلى قلب شرعية النيتو ومستقبل الهيمنة الأميركية، حيث يُستخدم الاقتصاد سلاحاً لإخضاع الشركاء، لا الأعداء....

لم يعد ملف جرينلاند مجرد طموح جغرافي أو مشروع استحواذ اقتصادي، بل تحوّل في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى أداة ضغط استراتيجية في مواجهة أوروبا، وإلى عنوان لصراع أوسع حول من يملك مفاتيح الأمن العالمي في القرن الحادي والعشرين.

في أحدث تصريحاته، أعلن ترامب أن السلام العالمي على المحك، مؤكداً أن الجزيرة القطبية لن يمسها أحد، في إشارة واضحة إلى الصين وروسيا، وأنه الوحيد القادر على منع تمدد بكين وموسكو في القطب الشمالي. لكن خلف هذا الخطاب الأمني، اندلعت حرب اقتصادية صريحة ضد الحلفاء الأوروبيين.

لكن عندما رفضت الدنمارك وحكومة جرينلاند أي حديث عن البيع أو التنازل، تحولت المسألة من طموح استراتيجي إلى صدام سياسي مفتوح مع أوروبا.

من الجغرافيا إلى الجمارك

رداً على رفض الدنمارك وأوروبا فكرة ضم أو بيع جرينلاند، أعلن ترامب فرض رسوم جمركية بنسبة 10% على واردات: الدنمارك، والنرويج، والسويد، وفرنسا، وألمانيا، وبريطانيا، وهولندا. مهدداً برفعها إلى 25% بحلول يونيو المقبل، بما يشمل جرينلاند نفسها، ما لم يتم التوصل إلى اتفاق بشأن الشراء. بهذا القرار، نقل ترامب الصراع من الطاولة الدبلوماسية إلى ساحة العقوبات الاقتصادية، مستخدماً التجارة كسلاح سياسي مباشر ضد حلفائه التاريخيين.

جرينلاند الجغرافيا التي تخيف القوى الكبرى

منذ عام 1867، أظهرت الولايات المتحدة اهتماماً متواصلاً بشراء غرينلاند، إلا أن إدارة دونالد ترامب نقلت هذا الملف من إطار التفاوض إلى سياسة الضغط السياسي والاقتصادي، مترافقة مع توترات غير مسبوقة مع الدنمارك والاتحاد الأوروبي، وتشكيك في التزامات حلف الناتو. وقد فسّرت واشنطن الرفض الأوروبي باعتباره تمرداً استراتيجياً من حلفاء يستفيدون من المظلة الأمنية الأميركية دون مراعاة المصالح الجيوسياسية للولايات المتحدة.

وتُعد جرينلاند موقعاً بالغ الأهمية لكونها تتحكم بالممرات القطبية، وتضم أنظمة إنذار مبكر، وتحتوي على موارد معدنية نادرة، فضلاً عن موقعها الجغرافي المحاذي لروسيا. ومن هذا المنطلق، رأت إدارة ترامب أن السيطرة عليها تمثل ركيزة لتعزيز التفوق الاستراتيجي الأميركي ومنع الصين وروسيا من تقويض الهيمنة الأميركية في القطب الشمالي.

الهيمنة الأميركية بذريعة السلام العالمي

رفض الدنمارك وأوروبا لم يكن مجرد موقف قانوني، بل إعلان سياسي بأن جرينلاند ليست سلعة، والسيادة ليست للبيع. لكن واشنطن قرأت هذا الرفض كتمرد على القيادة الأميركية، وكسابقة خطيرة تهدد قدرتها على فرض أولوياتها الجيوسياسية داخل المعسكر الغربي نفسه. وهنا جاء رد ترامب واضحاً، العقاب الاقتصادي بدل الإقناع السياسي.

ترامب برّر تصعيده بالقول إن ضم جرينلاند ضروري لحماية السلام العالمي. لكن كثيراً من العواصم الأوروبية ترى في هذا الخطاب، غطاءً لتوسيع النفوذ الأميركي، ومحاولة لاحتكار الجغرافيا القطبية، واستخدام الأمن ذريعة لفرض الصفقات. واشنطن تتحدث عن الخطر الصيني الروسي، بينما تخشى أوروبا من خطر آخر، هو تحوّل الحليف الأميركي إلى قوة إكراه داخل النيتو نفسه.

النيتو في مأزق تاريخي

فرض الرسوم الجمركية على دول أعضاء في حلف شمال الأطلسي (النيتو) كشف عن حقيقة بنيوية مقلقة مفادها أن التحالف العسكري لا يمنع بالضرورة نشوب صدامات اقتصادية بين أطرافه. كما أن تصريحات كوبنهاغن، التي لوّحت بأن أي هجوم أميركي على دولة عضو في النيتو سيؤدي إلى انهيار المنظومة بأكملها، وهذا يعكس تآكلاً غير مسبوق في مستوى الثقة داخل أكبر تحالف عسكري في العالم. وقد تحوّلت جرينلاند إلى اختبار وجودي لمستقبل الأمن الأوروبي.

ويطرح هذا الواقع سؤالاً جوهرياً حول طبيعة النيتو، هل هو تحالف قائم على الشراكة المتكافئة، أم منظومة تخضع لهيمنة القوة الأميركية؟ إن تصريح رئيسة وزراء الدنمارك، ميتي فريدريكسن، بأن “أي هجوم أميركي على دولة عضو سينهي كل شيء” لا يُعد مجرد تحذير دبلوماسي، بل تشكيكاً علنياً في قدسية (المادة الخامسة) من ميثاق الحلف.

ويكشف هذا الموقف عن تحوّل استراتيجي أعمق، يتمثل في أن الولايات المتحدة لم تعد تنظر إلى النيتو بوصفه تحالفاً متكافئاً، بل كأداة نفوذ تخدم أهدافها الجيوسياسية، وهي أداة قابلة للتفكيك إذا تعارضت مع تلك الأهداف.

وما يفعله ترامب مع أوروبا اليوم يذكّر بما فعلته واشنطن سابقاً مع دول أخرى، من حصار اقتصادي، وضغط سياسي، وتهديدات مباشرة، وفرض الشروط بالقوة. الفرق هذه المرة أن المستهدف ليس خصماً… بل حليفاً. وهذا ما يجعل الأزمة أخطر من مجرد خلاف تجاري.

القارة العجوز كما يسميها ترامب، تقف الآن أمام معادلة قاسية، أما القبول بالضغط الأميركي والتنازل السياسي، أو مواجهة حرب اقتصادية طويلة الأمد. لكن كلفة الخيار الثاني لا تقل خطورة، عن الأولى. وهو ما ينتج عنها تفكك الثقة عبر الأطلسي، وتسارع البحث عن استقلالية استراتيجية أوروبية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *