الخزانة السيادية المتحركة: الآلية الذكية لتحويل الفائض النفطي والإيرادات الأخرى إلى استثمار إستراتيجي في العراق

الخزانة السيادية المتحركة الآلية الذكية لتحويل الفائض النفطي والإيرادات الأخرى إلى استثمار إستراتيجي في العراق
يقترح نموذج "الخزانة السيادية المتحركة" آلية ذكية لإدارة الثروة النفطية العراقية: تمويل الالتزامات السيادية الملحة أولاً شهرياً، ثم تحويل الفائض تلقائياً إلى صندوق سيادي للاستثمار الاستراتيجي، بما يضمن الشفافية والمرونة أمام تقلبات السوق ويحول الاقتصاد من التوزيع إلى الاستثمار....

المقدمة:

بين الحاجة الآنية والرؤية الاستراتيجية

يواجه العراق معضلة اقتصادية وسياسية تختزل أزمة الدول الريعية: كيف يمكن إدارة ثروة نفطية ضخمة ومتقلبة لتلبية الالتزامات التشغيلية الملحّة (الرواتب، الخدمات، الديون)، وفي الوقت ذاته توجيه جزء منها نحو استثمارات استراتيجية طويلة الأمد؟

النظام الحالي، القائم على إدراج جميع الإيرادات في موازنة سنوية جامدة، أثبت فشله في تحقيق هذا التوازن، إذ تهيمن الضغوط السياسية قصيرة الأجل والهدر على التخطيط بعيد المدى.

الحل لا يكمن في تحديد نسبة ثابتة للإعمار، بل في إنشاء آلية تمويلية ذكية ومتحركة تضمن أولوية الاستقرار الوطني، وتحوّل الفائض تلقائياً إلى التنمية، بعيداً عن الجدل العقيم حول “النسبة المناسبة”. هذه الآلية هي نموذج لإدارة مالية أكثر مرونة واستجابة، تربط الاستثمار الاستراتيجي بصحة الاقتصاد الوطني الفعلية.

الآلية المقترحة: نموذج “الخزانة السيادية المتحركة”

الفكرة الأساسية: التسلسل الذكي للإيرادات

تقوم الآلية على مبدأ بسيط وفعّال: 

تمويل الالتزامات السيادية أولاً، وتحويل الفائض تلقائياً إلى الاستثمار ثانياً.

وتُدار العملية وفق نهج شهري ديناميكي يتكيف مع تقلبات السوق.

خطوات التنفيذ الشهرية

  1. جمع وإعلان الإيرادات الشهرية: يحصل البنك المركزي ووزارة المالية على مجموع الإيرادات الشهرية من جميع الموارد (النفط، الضرائب، الجمارك، الرسوم وغيرها)، ويُعلن الرقم الإجمالي بشفافية في الأسبوع الأول من الشهر التالي.
  2. احتساب “سلة الالتزامات السيادية”: تشمل الرواتب ، الدعم الاجتماعي، الخدمات الأساسية (الأمن، القضاء، السلطات الدستورية)، خدمة الدين، ومخصص طارئ محدود.
  3. تعريف الفائض: يُطرح مجموع سلة الالتزامات السيادية للشهر الواحد من الإيراد الشهري الكلي لجميع الموارد. المبلغ الناتج – إن وُجد – يُعرّف تلقائياً بالفائض المالي الشهري.
  4. التحويل الإلزامي للفائض: يُحوّل الفائض مباشرة إلى حساب الصندوق السيادي العراقي للإعمار والاستثمار الاستراتيجي، تحت إشراف لجنة إعمار مستقلة.

آليات الحماية والشفافية

– سقف الالتزامات الشفاف: يُحدد بناءً على بيانات فعلية ويُخضع للمراجعة العامة منعاً للتضخيم.

– منصة رقمية مفتوحة: تعرض شهرياً الإيرادات، الالتزامات، الفائض، وإيصال التحويل للصندوق، بما يضمن المساءلة المجتمعية.

– التدقيق المزدوج: مراجعة شهرية من ديوان الرقابة المالية، وتدقيق سنوي من جهة دولية مستقلة يعيّنها البرلمان.

المزايا الجوهرية للنموذج

  1. الاستقرار السياسي والاجتماعي: يضمن الرواتب والخدمات أولاً، فيكسب شرعية شعبية ويُفشل أي دعاية معارضة.
  2. المرونة في مواجهة تقلبات السوق:

– في فترات الازدهار: فائض كبير يُحوّل إلى مشاريع إعمار كبرى.

– في فترات الركود: يتوقف التحويل تلقائياً لحماية الخزينة، دون قرارات سياسية صعبة.

  1. تحفيز الإصلاح الداخلي: كلما خفّضت الوزارات الهدر، زاد الفائض المتحوّل إلى مشاريع ملموسة، مما يحوّل الإصلاح الإداري إلى مصلحة مباشرة.
  2. بناء الثقة الدولية: يرسل رسالة إيجابية للمؤسسات المالية والمستثمرين بأن العراق يتبنى نظاماً مالياً مسؤولاً ومستقراً.

التطبيق العملي والتوقعات

المرحلة التأسيسية (السنة الأولى)

– إصدار قانون ينشئ لجنة الإعمار المستقلة والصندوق السيادي.

– بناء المنصة الرقمية وربطها بالأنظمة المالية للدولة.

مرحلة التشغيل والتراكم (السنتان 2–5)

– بدء تراكم رأس المال في الصندوق مع تباين التحويلات الشهرية.

– وضع خطط استراتيجية مرنة تعتمد على متوسط الفائض المتوقع.

مرحلة النضج والتأثير (بعد السنة الخامسة)

– يصبح الصندوق محركاً رئيسياً للاستثمار الوطني، ممولاً لمشاريع ضخمة متعددة السنوات.

– تحسن ملحوظ في مؤشرات التنمية نتيجة ضخ استثمارات حقيقية في البنى التحتية والقطاعات الإنتاجية.

خاتمة:

من اقتصاد التوزيع إلى اقتصاد الاستثمار

يمثل نموذج “الخزانة السيادية المتحركة” تحولاً جوهرياً في فلسفة إدارة الثروة الوطنية: 

من منطق توزيع الريع الذي يولد صراعاً على تقسيم كعكة محدودة، إلى منطق خلق الفائض واستثماره الذي يوسّع الكعكة وينمّيها للجميع.

إنه ليس مجرد أداة مالية، بل إطار مؤسسي لتحقيق السلام الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي، حيث يرتبط استقرار النخبة السياسية والحكومية باستقرار الرواتب والخدمات، ويرتبط مستقبلهم الانتخابي بنجاح لجنة الإعمار في تحويل الفائض إلى إنجازات ملموسة.

بهذا، تتحول ثروة النفط من عبء ريعي هش إلى جسر ذكي وشفاف يقود العراق نحو مستقبل مزدهر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *