ماذا بعد الإحتجاجات والتخريب في إيران

ماذا بعد الإحتجاجات والتخريب في إيران
انتهت الاحتجاجات الإيرانية بعد اندساس خلايا إرهابية وتحريض أمريكي-إسرائيلي إذ توحد الإيرانيون ضد التدخل الخارجي. السيناريو المرجح الآن هو الحل السياسي والدبلوماسي عبر مفاوضات تحفظ مصالح إيران بعد فشل أدوات الضغط الأخرى من عقوبات وحصار وفوضى....

يرى المتابع للشأن الإيراني مشاهد القتل والتخريب والحرق وتدمير الممتلكات العامة والخاصة، التي ارتكبتها الخلايا الإرهابية بعدما اندسّت بين المتظاهرين المحتجّين على الأوضاع الاقتصادية في إيران.

حيث إن أسواق وبنوك ومساجد، ونسخ من القرآن الكريم، ومبانٍ صحية، ومراكز شرطة أُحرقت بلا تمييز. وعناصر أمن قُتلوا وسُحلوا رغم أنهم لم يواجهوا المتظاهرين. وممرضة أُحرقت حيّة، وطفلة لم تتجاوز الثالثة من عمرها سقطت ضحية جماعات إرهابية تحرّكت وفق أوامر أمريكية – إسرائيلية. ونرى مشاهد دامية تتوالى، وتوصيفها يطول دون أن يبلغ فداحتها.

لكن الأهم أن هذه الممارسات الإرهابية انتهت في إيران، ولم يبقَ منها سوى تداعيات تعمل الدولة على معالجتها وتطويقها، بعدما سقط الرهان على  الأمريكي الإسرائيلي على الفوضى.

لماذا تقلصت الاحتجاجات واصبحت هنا وهناك؟

عاملان أساسيان قصّرا عمر الاحتجاجات المطلبية، وساهما في إنهائها بسرعة:

أولًا: خروج التظاهرات عن سياقها الاقتصادي والمعيشي، بعد اندساس الجماعات الإرهابية بين المتظاهرين وارتكابها أعمال القتل والتخريب، ما أفقد الحراك طابعه المطلبي.

ثانيًا: التصريحات الأمريكية – الإسرائيلية العلنية التي حرّضت الإيرانيين على النزول إلى الشوارع، ولا سيما تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والبيان الصادر عن جهاز الموساد الإسرائيلي، الذي خاطب الإيرانيين بالقول،  انزلوا إلى الشوارع، نحن معكم، ليس  قولا فحسب، بل ميدانيًا على الارض.

ومن يعرف عقلية الشارع الإيراني وطبيعة المجتمع الإيراني يدرك أن هذين العاملين كانا كفيلين بإنهاء الاحتجاجات. فالإيرانيون، على اختلافاتهم الداخلية، يتوحّدون في مواجهة التدخلات والتحديات الخارجية. كما أنهم يدركون جيدًا أن الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي ليسا جمعيتين خيريتين، بل يتحركان وفق مصالحهما لا أكثر. ولو التقى النظام الإيراني مع مصالحهما، لتحوّلت إيران فجأة، في خطابهما، إلى نموذج ديمقراطي يُحتذى، بعد أن وُصفت طويلًا بأقسى النعوت. فالمعيار هنا ليس حقوق الإنسان ولا الحريات، بل المصلحة السياسية.

وسوريا مثال صارخ؛ فبعد وعود “جنة الاقتصاد”، وجد السوريون أنفسهم في جحيم الانهيار بعد سقوط نظام الاسد.

وفي فنزويلا، رفعت واشنطن زعيمة المعارضة ماريا ماتشادو إلى مصاف “المنقذة”، قبل أن يتخلّى عنها ترامب نفسه معلنًا أنها لا تصلح للحكم، كاشفاً بوضوح أن هدف المواجهة لم يكن الديمقراطية، بل النفط.

اليوم، تحاول الولايات المتحدة تكرار اللعبة ذاتها مع إيران. غير أن الفارق كبير؛ فإيران ليست فنزويلا. الموقع الجغرافي، والقدرات، والإمكانات، وتركيبة الدولة، كلها تجعل المقارنة غير واقعية.

وبعد الفشل الامريكي الاسرائيلي في الرهان على الشارع الإيراني، تبرز ثلاثة سيناريوهات محتملة لمسار الأزمة بين طهران وواشنطن :

1- حرب شاملة، استعدّت لها إيران بكل إمكاناتها، لكنها تبقى خيارًا مستبعدًا نسبيًا، في ظل انشغال الولايات المتحدة بأزمات عالمية، وعدم ضمانها نتائج مواجهة مفتوحة مع إيران.

2 – تبادل ضربات محدودة، تهدف إلى تحسين شروط التفاوض، تمهيداً للجلوس إلى طاولة المفاوضات بتوازن قوى نسبي.

3 – المسار السياسي والدبلوماسي، عبر مفاوضات مباشرة تحترم الشروط الإيرانية وتحفظ مصالح البلاد والشعب.

المؤشرات الحالية ترجّح السيناريو الثالث، بعد أن استنفدت الولايات المتحدة كل أدوات الضغط الأخرى من العقوبات، والحصار، والحروب الاقتصادية، والإعلامية، والنفسية.

فعقدة الثقة الأمريكية

تدرك واشنطن أن إيران تملك سجلاً عالياً في الإلتزام بالإتفاقيات عندما تُبرم، وأن أي تسوية معها تكون قابلة للتنفيذ. لكن المعضلة تبقى في الضمانات، وفي مصداقية الطرف الأمريكي نفسه.

في هذا السياق، جاءت زيارة وزير خارجية سلطنة عُمان، بدر البوسعيدي، إلى طهران حاملًا رسالة أمريكية، قبل أن يخرج ترامب، وسط تهديداته التصعيدية، ليزعم أن إيران طلبت المفاوضات. مع العلم ان الاتصالات مستمرة بين وزير الخارجية الايرانية عباس عراقجي والمبعوث الامريكي ستيف ويتكوف.

فالوقائع تشير إلى العكس لأن واشنطن هي من تسعى للتفاوض. لكن الأسئلة الجوهرية تبقى مفتوحة وفق أي شروط؟ وهل تسبق المفاوضات بضربة عسكرية لإيران ؟ وإذا حدثت، هل تقبل إيران الجلوس إلى الطاولة؟

الأرجح أن الطرفين اختبرا بعضهما بما يكفي، وأن التسوية التي تحفظ الحقوق وتوازن المصالح باتت الخيار الأكثر واقعية.

في السياسة، لا ثوابت مطلقة… كل شيء ممكن، لكن الفوضى أثبتت أنها ليست طريقاً إلى إيران.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *