لم يكن التاريخ العراقي يوماً مجرد تسجيل لأحداث الماضي أو سرد متتابع للوقائع بل هو في جوهره مرآة تعكس طبيعة الصراع على السلطة بأبعادها الفكرية والسياسية والاجتماعية فالسلطة كما يراها أفلاطون ينبغي أن تكون بيد الحكماء والفلاسفة، بوصفها وسيلة لتحقيق العدالة وتنظيم المجتمع إذ يؤكد أفلاطون أن السلطة هي “حكم العقل والمعرفة للمجتمع من أجل تحقيق الخير العام” ، وهو ما يعكس تصورا مثاليا يقوم على أولوية الحكمة على القوة والثروة.
وفي المقابل ارتبطت ممارسة السلطة تاريخيا بعناصر أخرى مثل الثروة والنفوذ وهو ما يجعل فهم التاريخ أكثر تعقيداً من مجرد سرد للأحداث ومن هنا يأتي تعريف ابن خلدون للتاريخ، الذي تجاوز فيه الإطار التقليدي للسرد إلى كونه علما يبحث في أحوال العمران البشري وأسباب الوقائع التاريخية. وقد ورد في مقدمته الشهيرة
” إن فن التاريخ من الفنون التي تتداوله الأمم والأجيال وتشد إليه الركائب والرحال وتسمو إلى معرفته السوقة والأغفال إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأُول تنمق لها الأقوال وتضرب بها الأمثال وتطرف بها الأندية إذا غصها الاحتفال وتؤدي لنا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال واتسع للدول فيها النطاق والمجال… وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق.”
كانت آراء ابن خلدون في التاريخ وفي تفسيره تختلف عن النظرة التي كانت سائدة في عصره وقد حاول ابن خلدون في مقدمته المعروفة ان يدرس العمران البشري ويستخرج قوانين التطور الاجتماعي ، ويضع للتاريخ فلسفة شاملة ، ويستنبط منه قوانين عامة تسير عليها البشرية في تطورها .
ومن خلال هذا التعريف تبين لنا الوقائع الدالة على ذلك ما جرى في ولاية البصرة ، ففي عام (1596م) اشترى افراسیاب البصرة لقاء ثمن بخس يقدر ثمانية أكياس رومية (يساوي الكيس الواحد ثلاثة الاف محمدي) على أن لا يقطع الخطبة عن السلطان العثماني، وان يدفع الضريبة السنوية للخزينة العثمانية، ويظهر أن افراسياب كان في وضع اقتصادي مرموق، فاستغل سوء الأوضاع الاقتصادية في البصرة فاقدم على شراء باشويتها من علي باشا الذي شنق ساعة وصوله إلى الباب العالي.
تكشف هذه الحادثة التاريخية عن أزمة بنيوية رافقت الدولة العراقية عبر قرون طويلة، وهي أزمة تحويل السلطة إلى مجال للمساومات السياسية والمالية بحيث تصبح المناصب والإدارات خاضعة لمن يمتلك النفوذ والمال أكثر من خضوعها للكفاءة أو الإرادة الشعبية فالبصرة لم تكن مجرد مدينة بيعت إدارتها، بل كانت رمزا لانهيار مركزية الدولة وعجزها عن إدارة أقاليمها بصورة مستقرة، الأمر الذي فتح المجال أمام القوى المحلية للتمدد والسيطرة تحت غطاء الشرعية الرسمية.
وإذا انتقلنا إلى الواقع العراقي اليوم ونحن في عام 2026 أي ما يقارب أكثر من 430 سنة فإن المشهد يبدو مختلفاً في شكله لكنه متقارب في جوهره فعملية تكليف رؤساء الحكومات في العراق المعاصر كثيراً ما تتحول إلى نتاج تفاهمات بين القوى السياسية المتنفذة أكثر من كونها تعبيراً عن مشروع وطني متكامل وفي هذا السياق يمكن فهم تكليف شخصيات سياسية مثل السيد علي الزيدي ضمن منظومة سياسية تقوم على التوازنات الحزبية و المحاصصة حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية مع النفوذ السياسي في صناعة القرار.
إن المقارنة بين شراء أفراسياب للبصرة وبين واقع تشكيل الحكومات العراقية اليوم لا تعني التطابق الحرفي بين الحالتين، لكنها تشير إلى استمرار إشكالية عميقة تتمثل في هشاشة الدولة أمام قوى النفوذ ففي العهد العثماني كانت الولاية تمنح لمن يضمن المال والولاء أما اليوم فإن السلطة غالباً ما تدار وفق معادلات التحالفات الحزبية والضغوط الإقليمية والدولية بينما يبقى المواطن العراقي الطرف الأضعف في معادلة الحكم واكيد هنا يجب ان نبين بان المواطن هو احد الأسباب في تسلط الفئة التي تحكمه اليوم ” كيفما تولوا يولى عليكم” .
لقد أدى ضعف المؤسسات في الحالتين إلى بروز طبقات سياسية تستثمر الأزمات الاقتصادية والاجتماعية لتحقيق مكاسبها الخاصة. فكما استغل أفراسياب تدهور الأوضاع الاقتصادية في البصرة للوصول إلى السلطة، تستغل بعض القوى السياسية اليوم الانقسامات الداخلية والأزمات المالية والبطالة وتراجع الخدمات لتعزيز نفوذها وإعادة إنتاج وجودها داخل النظام السياسي.
وتبرز هنا مسألة خطيرة تتعلق بطبيعة الشرعية السياسية في العراق ففي حادثة البصرة كان المطلوب من أفراسياب الحفاظ على الخطبة باسم السلطان العثماني ودفع الضرائب، أي إن الشرعية كانت شكلية ما دام النفوذ الحقيقي بيد القوى المحلية واليوم أيضاً تبدو بعض مؤسسات الدولة محتفظة بأشكالها الدستورية والقانونية لكن تأثير الأحزاب ومراكز القوة الاقتصادية والسلاح المنفلت يجعل السلطة الفعلية موزعة بين أطراف متعددة الأمر الذي يضعف هيبة الدولة ويعطل قدرتها على اتخاذ القرار المستقل.
إن العراق المعاصر يقف أمام تحد تاريخي مشابه لما واجهته البصرة العثمانية، يتمثل في ضرورة بناء دولة مؤسسات حقيقية لا تدار بمنطق الصفقات أو التوازنات المؤقتة. فالتاريخ يثبت أن الدول التي تتحول فيها السلطة إلى سلعة سياسية أو اقتصادية تفقد تدريجياً قدرتها على الاستقرار والتنمية، وتصبح عرضة للتدخلات الخارجية والانقسامات الداخلية.
ومن هنا فإن استحضار حادثة أفراسياب لا يمثل مجرد استذكار لواقعة تاريخية بل هو محاولة لفهم جذور الأزمة العراقية الممتدة من الماضي إلى الحاضر فالعراق لا يعاني فقط من مشكلات آنية بل من تراكم تاريخي طويل يتعلق بطبيعة إدارة السلطة والثروة والعلاقة بين المركز والقوى المحلية ولذلك فإن أي مشروع إصلاحي حقيقي ينبغي أن يبدأ بإعادة بناء مفهوم الدولة بوصفها مؤسسة وطنية تتجاوز الولاءات الضيقة والمصالح الفئوية وتعيد الاعتبار للمواطنة والكفاءة والقانون.
لقد تغيرت الأسماء والوجوه عبر القرون، لكن السؤال بقي واحداً: هل تكون السلطة وسيلة لبناء الدولة، أم غنيمة تتقاسمها القوى المتنفذة؟ وهذا السؤال ما يزال يشكل جوهر الأزمة العراقية حتى اليوم.
والله من وراء القصد


