هل تُعد زيادة الضرائب والرسوم حلًا فعّالًا لتعزيز الإيرادات غير النفطية؟

هل تُعد زيادة الضرائب والرسوم حلًا فعّالًا لتعزيز الإيرادات غير النفطية؟
يتحدث النص عن الزيادات في الرسوم و الضرائب الاخيرة و الاثار المترتبة على الزيادة العامودية للضرائب بدلا من توسيع الوعاء الضريبي و الكمركي حيث يمكن زيادة الايرادات بدون إلحاق ضرر بالنشاط الاقتصادي ككل ....

لا خلاف على أن الضرائب والرسوم تمثل إحدى الأدوات الأساسية التي تعتمدها الدول لتوليد الإيرادات وتعزيز قدرتها المالية. غير أن التجارب الاقتصادية الناجحة تُظهر بوضوح أن الحكومات لا تبني سياساتها المالية على رفع نسب الضرائب بحد ذاتها، بل تركّز بالدرجة الأولى على توسيع الوعاء الضريبي والكمركي بما يضمن زيادة الإيرادات بصورة مستدامة ودون إلحاق ضرر بالنشاط الاقتصادي.

إن أي زيادة في نسب الضرائب أو الرسوم يجب أن تكون مبنية على دراسات دقيقة تأخذ بنظر الاعتبار مجمل الآثار الاقتصادية المحتملة، بدءًا من تأثيرها على معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي، مرورًا بانعكاساتها على مستويات التضخم، وصولًا إلى أثرها المباشر على فرص العمل في القطاع الخاص. والأهم من ذلك، أن النهج السليم يتمثل في التوسّع الأفقي للإيرادات عبر زيادة عدد المشاريع العاملة، وتحسين بيئة الاستثمار المحلي والأجنبي، وهو ما ينعكس تلقائيًا على نمو الإيرادات الضريبية والكمركية. أما اللجوء إلى التوسّع العمودي، أي رفع نسب الضرائب والرسوم، فيفترض أن يكون مرحلة لاحقة لا تُعتمد إلا بعد تحقق جملة من الشروط، في مقدمتها استقرار الأسواق، والحفاظ على مستويات التشغيل، وعدم الإخلال بمستهدفات التضخم.

خلال الفترة الماضية، ومع تصاعد الضغوط على النفقات العامة نتيجة ارتفاعها من جهة وتراجع أسعار النفط من جهة أخرى، اتجهت الحكومة إلى اعتماد خيار الزيادة العمودية للضرائب والرسوم دون استكمال دراسة آثارها الاقتصادية، فتم رفع التعرفة الكمركية وبعض الرسوم الضريبية قبل التحقق من مسألتين جوهريتين: الأولى، حجم التأثير المباشر لهذه الزيادات على القطاع الخاص والمواطن؛ والثانية، قدرة المشاريع القائمة على الاستمرار في تحقيق مستويات الإيرادات نفسها في ظل ارتفاع الكلف. فزيادة الرسوم لا تعني بالضرورة زيادة فعلية في الإيرادات، إذ قد تؤدي إلى تراجع نشاط المشاريع، وانخفاض قدرتها على توليد الدخل، ما يفرغ هذه الزيادة من مضمونها المالي.

وتبرز رسوم الاتصالات مثالًا واضحًا على ذلك، إذ إن فرض أعباء إضافية على شركات الاتصالات لا ينعكس فقط على كلفة الخدمة التي يتحملها المواطن، بل يمتد ليؤثر على نشاط هذه الشركات وربحيتها. ومع ارتفاع الكلف التشغيلية، قد تلجأ الشركات إلى تقليص نفقاتها، وفي مقدمتها أجور العاملين التي تشكل النسبة الأكبر من تلك النفقات، ما يؤدي إلى تسريح العمال وارتفاع معدلات البطالة، وهو المؤشر الأهم لقياس استقرار واستدامة أي اقتصاد.

كان الأجدر بالحكومة أن تركز جهودها على تهيئة بيئة استثمارية أكثر جاذبية، وتبسيط بيئة الأعمال بما يسهم في زيادة عدد الشركات والمشاريع العاملة، الأمر الذي كان سيقود بطبيعته إلى توسّع أفقي في الإيرادات الضريبية. هذا المسار أقل كلفة على الاقتصاد وأكثر استدامة مقارنة بالتوسّع العمودي الذي يحمل آثارًا سلبية محتملة على مجمل النشاط الاقتصادي.

وعليه، فإن الدعوة موجهة إلى الحكومة لإعادة النظر في الزيادات الضريبية الأخيرة، والعمل بدلًا من ذلك على تحسين آليات الاستحصال الضريبي، وتطوير برامج فعّالة لضم الفئات غير الملتزمة ضريبيًا إلى المنظومة الرسمية، إلى جانب توفير بيئة أعمال محفزة للنمو في مختلف القطاعات. إن زيادة الناتج المحلي الحقيقي هي الطريق الأضمن لرفع الإيرادات الضريبية بصورة صحية، قبل التفكير بأي زيادات عمودية لا تستند حتى الآن إلى دراسات علمية رصينة تقيس آثارها الاقتصادية المحتملة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *