مشكلة الاقتصاد العراقي ليست في “كم نبيع من النفط”، بل في “ماذا ننتج غير النفط”. من يظن أن أزمتنا مالية فهو واهم؛ أزمتنا هي عجز تام عن خلق إنتاج حقيقي.
لغة الأرقام لا تكذب:
حجم الاقتصاد العراقي (بعيداً عن النفط) لا يتجاوز 90 تريليون دينار. نصف هذا الرقم هو إنفاق حكومي (رواتب وتشغيل)، والنصف الآخر هو ناتج القطاع الخاص الذي يعادل قرابة 38 مليار دولار فقط.
عندما نقسم هذا الرقم على عدد السكان، تكون النتيجة صادمة:
نصيب الفرد العراقي من الإنتاج الحقيقي هو 850 دولاراً سنوياً فقط.
هذا الرقم يضعنا في نفس كفة دول فقيرة الموارد مثل مالي وتشاد، ويكشف أن مستوى رفاهيتنا الحالي هو مجرد “قشرة” ممولة بالبترودولار.
حتى القطاع الخاص.. “نفطي” بالخفاء!
المأساة أن أغلب نشاط القطاع الخاص حالياً هو “تجارة واستيراد”. الاستيراد يحتاج لدولار، والدولار يأتي من النفط. إذن، حتى قطاعنا الخاص ليس مستقلاً، بل يعيش على تدوير أموال النفط لشراء بضائع أجنبية، ولا يصنع شيئاً يجلبه لنا العملة الصعبة.
الحل: اقتصاد يقوده الكبار.. وينتجه الجميع
الخروج من دوامة “بيع النفط لشراء المستورد” يتطلب ثورة تصحيحية بخمس خطوات استراتيجية:
خصخصة المصارف: تحويل القطاع المصرفي بالكامل للقطاع الخاص ليعمل بعقلية “الاستثمار والربح” وتمويل التنمية، لا بعقلية “الموظف والروتين”.
صناعة العمالقة: دعم وتمويل مشاريع إنتاجية ضخمة (Mega Projects) قادرة على التصدير والمنافسة، بدلاً من الاكتفاء بالمشاريع الصغيرة المتناثرة.
نفط دائم (السياحة والخدمات): استثمار موقع العراق وتاريخه لتحويل “السياحة” إلى صناعة تجلب العملة الصعبة، وتطوير قطاع “الخدمات” (نقل، ترانزيت، تكنولوجيا) ليكون رافداً أساسياً للناتج المحلي، فهذه قطاعات لا تنضب وتخلق آلاف الوظائف.
نسف الروتين: تسهيل بيئة الأعمال بشكل جذري لجعل العراق بيئة جاذبة لرؤوس الأموال وليست طاردة لها.
الدبلوماسية التجارية: فرض معادلة جديدة مع العالم: “تريدون بيع بضائعكم في سوقنا؟ عليكم الاستثمار وبناء المصانع عندنا” لخلق توازن في ميزاننا التجاري.
الخلاصة:
إما أن نبني اقتصاداً ينتج ويخدم ويصدر، أو سنبقى مجرد “سوق استهلاكي كبير” يعيش على ما تجود به أسعار النفط، وبإنتاجية فرد توازي أفقر دول العالم.


