على مدى عقود، شكّل شعار «تطبيق الشريعة الإسلامية» أو «إقامة الدولة الإسلامية» العمود الفقري للخطاب السياسي للأحزاب الإسلامية في العالم الإسلامي، بما في ذلك العراق وإيران. هذا الشعار، الذي وُلد في سياق تاريخي محدد اتسم بالاستبداد، والتغريب القسري، وغياب العدالة الاجتماعية، أدّى في بداياته دورًا تعبويًا مهمًا، ونجح في تحريك قطاعات واسعة من المجتمعات المتدينة. غير أن استمرار التمسك به بصيغته التقليدية، بعد انتقال تلك الأحزاب إلى موقع السلطة أو الشراكة فيها، كشف عن مأزق فكري وعملي عميق لم يعد من الممكن تجاهله.
المشكلة لم تكن يومًا في الإسلام بوصفه منظومة قيمية وروحية كبرى، بل في تحويله إلى شعار سياسي مغلق، يُستخدم بوصفه إجابة جاهزة على أسئلة الدولة المعقدة، الحديثة، والمتغيرة. فالدولة ليست نصًا فقهيًا، بل كيان إداري، اقتصادي، وتقني، يتعامل يوميًا مع تفاصيل الحياة المعاصرة، من إدارة الموارد، إلى التكنولوجيا، إلى العلاقات الدولية، إلى حقوق الأفراد والجماعات. وعندما يُختزل هذا التعقيد في شعار ديني عام، يصبح الشعار عبئًا على الإسلام نفسه، لا مصدر قوة له.
في العراق، مثّل وصول الأحزاب الإسلامية إلى الحكم بعد عام 2003 اختبارًا تاريخيًا غير مسبوق. فقد انتقلت تلك الأحزاب من موقع المعارضة العقائدية إلى موقع السلطة الفعلية، في دولة خارجة من الحروب، والانهيار المؤسسي، والانقسام الاجتماعي. هنا اصطدم الشعار الديني بواقع الدولة: الفساد، ضعف الإدارة، المحاصصة، وانعدام الثقة الشعبية. ومع مرور الوقت، لم يعد الشارع العراقي يقيس تلك الأحزاب بمدى «التزامها بالشريعة»، بل بقدرتها على توفير الأمن، الخدمات، العدالة، وفرص العيش الكريم. وهكذا، تراجع تأثير الخطاب الديني السياسي، ليس لأن المجتمع ابتعد عن الدين، بل لأنه فقد ثقته بجدوى استخدام الدين كشعار سلطوي.
أما في إيران، فالتجربة مختلفة في الشكل، لكنها متقاربة في الجوهر. فالدولة التي قامت أصلًا على فكرة «الحكومة الإسلامية» وجدت نفسها، بعد أكثر من أربعة عقود، أمام مجتمع متغير، شاب، متصل بالعالم، يطالب بالكفاءة، والشفافية، والكرامة، أكثر مما يطالب بالشعارات الأيديولوجية. ومع تعقّد الاقتصاد، وتصاعد العقوبات، وتزايد الفجوة بين الدولة والمجتمع، بات واضحًا أن الشرعية الدينية وحدها لم تعد كافية لإدارة دولة حديثة ذات طموحات إقليمية ودولية.
في كلا النموذجين، العراقي والإيراني، يبرز سؤال مركزي: هل البديل هو التخلي عن الإسلام في المجال العام؟ أم إعادة تعريف موقعه ووظيفته؟ هنا يظهر خيار «الدولة الحضارية الحديثة» بوصفه مسارًا واقعيًا، لا قفزة في المجهول ولا تنازلًا فكريًا.
الدولة الحضارية لا تعني دولة علمانية بالمعنى الإقصائي، ولا دولة دينية بالمعنى السلطوي، بل دولة تستلهم القيم العليا للإسلام – كالعدل، والحرية، والمسؤولية، والأمانة، وكرامة الإنسان – وتحوّلها إلى سياسات عامة، وقوانين، ومؤسسات قابلة للقياس والمحاسبة. في هذا الإطار، لا تكون الديمقراطية نقيضًا للشورى، بل تطورها التاريخي المعاصر، ولا تُعدّ التكنولوجيا تهديدًا للهوية، بل أداة للإتقان ومحاربة الفساد وتحقيق العدالة.
التحول من شعار «الدولة الإسلامية» إلى «الدولة الحضارية» يحرّر الأحزاب الإسلامية من مأزق الدفاع الدائم عن نواياها الدينية، وينقلها إلى ساحة التنافس الطبيعي بين المشاريع السياسية على أساس الكفاءة والإنجاز. كما أنه يعيد الاعتبار للإسلام بوصفه مرجعية أخلاقية جامعة، لا أداة استقطاب وانقسام.
الأهم من ذلك أن هذا التحول ليس مطلبًا نخبويًا أو تنظيرًا مثاليًا، بل استجابة لواقع اجتماعي متغير. فالمجتمعات في العراق وإيران لم تعد تقبل بتبرير الفشل باسم القداسة، ولا ترى في الخطاب الديني السياسي ضمانة تلقائية للعدالة. إنها مجتمعات تبحث عن دولة قوية، عادلة، حديثة، تحترم هويتها دون أن تسجنها في الماضي.
خلاصة القول إن إعادة بناء الخط الفكري للأحزاب الإسلامية على أساس «الدولة الحضارية الحديثة» لا تمثل تراجعًا عن الإسلام، بل عودة إلى جوهره القيمي، بعد أن أُنهك طويلًا في معارك السياسة اليومية. وهو خيار واقعي، لأن البديل عنه ليس بقاء الوضع كما هو، بل مزيد من التآكل في الثقة، ومزيد من القطيعة بين الدين والمجتمع، وهي خسارة لا يتحملها الإسلام ولا تتحملها الدول.


