الوجه العاري للامبريالية الأمريكية

الوجه العاري للامبريالية الأمريكية
يعالج النصّ الإمبريالية الأمريكية بوصفها هيمنة بلا إمبراطورية، مبيّناً توظيف مفاهيم مكافحة الإرهاب والديمقراطية وحقوق الإنسان ومنع الانتشار النووي بصورة انتقائية بعد 2001، لتبرير التدخل، فرض المصالح، وتكريس السيطرة على النظام الدولي....

تعرف الامبريالية السيطرة بدون امبراطورية ، وهي مرحلة جديدة في تطور الرأسمالية ، واستمرار الهيمنة الأمريكية على النظام العالمي، وقد أعدت الولايات المتحدة مجموعة من الوسائل من أجل نجاح الامبريالية وتحقيق الهيمنة على النظام الدّولي , لاسيما بعد أحداث 11 ايلول 2001 , وأقنعت نفسها بأن أمنها لايتحقق إلا بتلك الوسائل , فلم تقف الولايات المتحدة عند استخدامها للقوة العسكرية الفعلية فقط, بل عمدت إلى توظيف الوسائل الآخرى في تنفيذ سياستها الخارجية,

المحور الأول- مكافحة الارهاب :

يعُد الإرهاب انتهاكاً لمبادئ القانون والنظام وحقوق الإنسان, وهي ظاهرة تبدأ في أذهان الأفراد, وهو شكل من أشكال العنف المتعمد والمنهجي, الذي تقوم به المنظمات الأرهابية تجاه الأبرياء مع توفر الايديولوجيات السياسية والدينية وراء العنف .

وللتمييز بين الحرب والإرهاب, فالحرب صراع مسلح بين جماعتين في إطار تنظيم قانوني, بينما الإرهاب أو الإرهابي يكون الطرف الوحيد المسلح بين الأطراف المتنازعة, ولأن دخول الإرهابي إلى مسرح الأحداث يكون بصورة مفاجئة وغير متوقعة, فإن هذا الأمر يجعل منه, أي الإرهابي, سيد الموقف طوال المرحلة الأساسية للعملية الإرهابية, كذلك الحال بالنسبة لهوية الإرهابيين التي تكون غالباً مجهولة على عكس هوية المحاربين المعلنة للعالم

وهناك إرهاب تمارسه الدولة ضد الغير, وهو مايسمى “بإرهاب الدولة” ولعل أهم نموذجين هما الكيان الصهيوني والولايات المتحدة, فالكيان الصهيوني قد مارست اجهزته القمع ضد الشعب الفلسطيني, وضرب المفاعل النووي العراقي عام1981, ودخوله لبنان عام1982, فضلاً عن الأحداث الاخيرة قي الشرق الاوسط أمَّا الولايات المتحدة فقد خلفت من خلال حروبها على افغانستان والعراق, الكثير من الضحايا وتدمير للمؤسسات .

لقد عملت الولايات المتحدة دائماً على تبرير سياسيتها الخارجية وأطلقت على اعدائها تسميات متنوعة مثل (محور الشر, الدولة المارقة, والإرهاب ), وكان الهدف هو تحطيم من يقف أو يحاول الوقوف أمام مصالحها وكان التركيز على دول العالم الاسلامي.

   وأنَّ غايتها تحقيق مجموعة من الأهداف:

  1. الإنتشار الواسع في منطقة الشرق الأوسط بهدف الوصول إلى احتياطي الطاقة الكبير في حوض بحر قزوين , وحماية خطوط نقل النفط والغاز إلى الأسواق الغربية .
  2. العمل على تطويق النفوذ الروسي والصيني والتحكم في التوازنات الدولية, من حيث مراقبة نمو القوة في دول ثلاث صنفتها الدراسات المستقبلية الأمريكية دولاً خصماً وهي ( الهند , الصين , روسيا ) .
  3. تعزيز السيطرة الاقتصادية للولايات المتحدة والقضاء على أي إمكانيات للمنافسة , فالولايات المتحدة تهيمن على النظام الاقتصادي العالمي من المنظور الإستراتيجي نتيجة سيطرتها على طرق التجارة الدولية وأسواقها.
  4. إعادة البريق إلى حلف شمال الأطلسي وتعويمه كأداة أمريكية فعالة عبر استدراج المنظومة الأوربية إلى حلبة المصارعة وأشراكها رغماً عنها في الحرب على الإرهاب .

ويلاحظ أنَّ الخطاب السياسي الأمريكي, ما بعد الحادي عشر من أيلول عام 2001, أستمد مرجعيته “من مشروع القرن الأمريكي الجديد”, وقد تبلور هذا المشروع ليأخذ صيغة ((إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي)), التي لم يعلن عنها إلا بمناسبة الذكرى الأولى لأحداث 11 أيلول,التي أعطت شحنة دافعة ومبررات أضافية للرأي العام ألأمريكي ” لسياسة الانفراد الجديدة

وقد افضت الإستراتيجية الامريكية إلى ثلاثة مبادئ اعتنقتها الإدارة الأمريكية وأصبحت قاعدة انطلاق رئيسية لأي تحرك أمريكي, آنياً أو مستقبلاً:

  1. الإِيمان القوي بسمو المصلحة الأمريكية على ما سواها, إلى درجة الانفرادية والاستعلائية, والاستخدام المفرط للقوة العسكرية, والمبادرة بالهجوم, وأصبحت أرجاء الكون كلها مستهدفة أمريكياً .
  2. التدخلية الاجبارية, ويعني التركيز على العالم الخارجي بوصفه الفضاء الخلفي للولايات المتحدة, وكل مايحدث فيه يخص الولايات المتحدة, ومن حقها التدخل في مختلف القضايا العالمية .
  3. اعتماد مبدأ الموقفية, أي عدم الاتفاق على شكل محدد من العلاقة مع الآخر, وذلك بغض النظر عن الآخر سواء في الإطار السياسي أو الاقتصادي.

المحور الثاني: الديمقراطية وحقوق الانسان

يسعى النظام الديمقراطي إلى الإبقاء على الولايات المتحدة بوصفها قائداً للنظام وصانع القواعد الرئيسة, يعزز التعاون الوثيق بين الدول الديمقراطية, ويزيد الترابط بين الحلفاء, وتميل الديمقراطيات المتوافقة إلى تشكيل تحالفات وثيقة أكثر وإلى تشارك القيم التي تقود إلى مصالح مشتركة, وقيام الولايات المتحدة بضبط القواعد والقرارت التي تتخذ مع هذه الدول الموثوقة , وعندها ستكون المخاطر أقل.

تدعي الولايات المتحدة أنَّها قلعة للسلام, وملاذ للديمقراطية والوئام, إلا أن الواقع يشير إلى أن الولايات المتحدة أنبثقت وتوحدت وبنيت صرح الدولة عبر الحرب, وتوسعت وظهرت بوصفها إمبراطورية من خلال الحرب, وهي الآن تصون هيمنتها الكوكبية عن طريق الحرب, ومنذ الحادي عشر من أيلول 2001 وهي دائبة على الحرب, وتبقى الحرب بالنسبة للولايات المتحدة ضرورة, لأنَّها باتت علة وجودها, ويتضح ذلك من ( مبدأ مونرو, والحرب الوقائية, الحرب الإستباقية), ومن أوائل القرن التاسع عشر والهيمنة الآمنة على الجزء الغربي من الكرة الأرضية, إلى خطة المحافظين الجدد بالوصول إلى هيمنة على كوكب الارض بنصفيه الغربي والشرقي.

لكن الواقع يشير إلى أن الديمقراطية التي تعنيها الولايات المتحدة هي الديمقراطية تحمل شعار التطور والتحرر السياسي لكنها في الأصل لم تؤد إلى تغيير حقيقي في السياسات والتوجهات, وذلك بمنح الشعوب القليل من الديمقراطية, والقليل من الحرية لكن بشرط أن تحمي وتحافظ على النظم الموالية الولايات المتحدة على الهيمنة السياسية والاقتصادية للولايات المتحدة في المنطقة, فهي بعيدة عن الممارسة الديمقراطية, فقد أوجدت قانون الطوارئ بحجة أحداث 11 أيلول, وبذلك أضحت مثل أي نظام ديكتاتوري يرفض الديمقراطية والحرية للشعوب .

ثانياً- حقوق الإنسان :

يتفاخر الغرب عموماً والولايات المتحدة خصوصاً , بسجلهم في حقوق الإنسان, فوثيقة الحقوق الأمريكية التي صدرت عام(1789) بعد التصديق على الدستور الأمريكي (1788)  ويطلق لفظ ( الإنسان ) عادة على الشخص الابيض, بينما كان عدد السكان الاصليين ( الهنود الحمر ) يتراوح بين عشرة إلى عشرين مليون قبل قدوم (كولومبيس), أمَّا اليوم فعددهم ثلاثة ملايين, والسبب هو الابادة المنظمة, وتقلص عدد الزنوج ؛ بسبب انتهاكات حقوق الإنسان , والتمييز العنصري.

وقد أدى التطور التقني في وسائل الإعلام والاتصالات, إلى ظهور أنواع جديدة من وسائل الإعلام والاتصال وهو ما يدعى بالثورة التكنولوجية, وهذا الأمر أدى إلى  تحول العالم إلى قرية صغيرة لا يخفى منها شيء, وأضحى أي انتهاك لحقوق الإنسان في أي مكان مكشوفاً للجميع, ولم تعد حدود الدولة حصناً تحتمي وراءه أية سلطة تمارس أنتهاك حقوق الإنسان.

لقد أيدت غالبية الأمريكيين ضرورة أن تضغط الولايات المتحدة دبلوماسياً على الحكومات من أجل الالتزام بالمبادئ والمعايير الدّولية المتعلقة بحقوق الإنسان, لكن السياسة الامريكية.

اتبعت معايير مزدوجة في تعاملها, فنرى الحديث المتواصل عن الديمقراطية وحرية حقوق الإنسان من جهة, وتساند نظم حكم ديكتاتورية من جهة آخرى, لأنها تحمي وتساند المصالح الإستراتيجية والعسكرية الأمريكية, مثل كولومبيا خلال التسعينيات من القرن العشرين, كانت تحتل مركزاً متقدماً على مقياس إنتهاك حقوق الإنسان في النصف الغربي من الكرة الأرضية, فالاستخدام الذرائعي لقضايا حقوق الإنسان والذي دأبت عليه الولايات المتحدة منذ التسعينيات من القرن العشرين يتماشى مع مصالحها, فهي عملية انتقائية بحسب المصالح(القومية الأمريكية ), فالتدخل الانساني يتحدد على وفق الخطوط المصلحية الأمريكية, التي جردت مبادئ حقوق الإنسان من مبادئ ذات قيمة عليا إلى مبادئ ذرائعية وعلى حساب السيادة الوطنية.

المحور الثالث: الحد من انتشار الاسلحة النووية

وتؤكد الوقائع الدّولية أنَّ هناك صنفين من الدول تسعى للحصول على الاسلحة النووية , الصنف الاول : الدول الكبرى التي تسعى للحفاظ على مكانتها الدّولية ,بالعمل على تعظيم قدراتها النووية, بعد التراجع في جوانب القوة الأخرى لاسيما الاقتصادية, والصنف الثاني :الدول الصغرى الراغبة في تحقيق اهداف على المستوى الدّولي , فتعمل على على امتلاك السلاح النووي , ومن ثمّ تعظيم مكانتها في مواجهة الدول المتفوقة عليها من الناحية النووية.

لقد شهدت السياسة الأمريكية تحولاً ملحوظاً بعد أحداث أيلول 2001 من إدارة الأزمة في إطار حظر الانتشار النووي ،وأكدت أن هدفها أنهاء برنامج النووي لكوريا الشمالية بشكل غير قابل للرجوع, وأُدرجت كوريا الشمالية ضمن محور الشر, وجاء النجاح الكوري في تطور الاسلحة البالستية في بداية 2018, ليزيد من التوتر مع الولايات المتحدة, وهنا هدد الرئيس ترامب بأن يغطي كوريا الشمالية بالنار, فضلاً عن العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها .

اما ايران فقد بدأت الولايات المتحدة بفرض العقوبات على إيران وبعض الشخصيات الرسمية إيرانية, وهناك بعض اسباب الاهتمام الامريكي بملف ايران النووي:

  1. إنَّ امتلاك ايران للسلاح النووي يجعلها بمنأى من خطر أي انتقام عسكري تقليدي .
  2. أمتلاك ايران للسلاح النووي يؤدي إلى سباق الحصول على السلاح النووي في الشرق الأوسط .
  3. إنَّ أمتلاك ايران للسلاح النووي يعد تهديداً للسياسة الأمريكية في العراق ودول الخليج العربي, بما تملكه ايران من اوراق تستطيع اخفاق الجهود الأمريكية في المنطقة.

أمًّا اسرائيل فهي ليست مجرد دولة نووية, أو أنَّها “دولة نووية صغيرة”(كما يعتقد أغلب المتخصصين) بل هي تمتلك ترسانة نووية كبيرة, ووسائل كافية لإيصال هذه الرؤوس, رغم إعتمادها مبدأ “الغموض النووي” , وفي المقابل بررت الولايات المتحدة أمتلاك اسرائيل للسلاح النووي على أنَّه يوفر ضماناً مهم للأستقرار في المنطقة, لاسيما في ظل نظام حكم ديمقراطي في اسرائيل, في حين أن أمتلاكها لسلاح نووي يعد خرقاً وانتقاصاً من عالمية معاهدة حظر انتشار السلاح نووي, وتهديد للتوازن الإستراتيجي في المنطقة, وأن تحقيق السلام في الشرق الأوسط يتطلب جهود إقليمية وعالمية للتعامل بشكل متوازن مع قضية ضبط التسلح في المجال النووي.

قد أعتمدت الامبريالية الأمريكية على إيجاد العدو من أجل التبرير لسياستها الخارجية, ولاسيما بعد احداث 11 أيلول 2001 , لذا ومن أجل السير بمشروعها الإستراتيجي الامبريالي الطويل الأمد – الهيمنة العالمية –  فقد أختارت مجموعة من الوسائل, واقنعت نفسها بأن أمنها لايمكن أن يتحقق بعيداً عن هذه الوسائل , والعمل على أمركة العالم وفرض الهيمنة عليه , بهدف السيطرة على مقدرات الدول , والضغط على الدول المناهظة لهذه الهيمنة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *