إنَّ الخطوط العريضة لسياسة العراق الخارجية تمليها إلى حد كبير مصالحه المختلفة , التي تشمل التحولات من سياسة العزلة ، والانخراط في حروب مكلفة في النظام السياسي قبل عام 2003 إلى سياسة تتسم بالتعاون مع القوى الأجنبية, وزيادة القدرة العسكرية, وتشجيع النمو في قطاع الطاقة, وضمان احتياجات البلاد من الموارد, وتعزيز التجارة والاستثمار الأجنبي, فقد كان الهدف الرئيس لقادة العراق-بعد عام 2003- منذ ذلك الوقت هو ببساطة استعادة الشرعية الدولية وإعادة بناء العلاقات الطبيعية مع دول المنطقة والعالم, ومع الذاكرة الحديثة للتكاليف والعواقب المدمرة للمغامرات العسكرية (ضد إيران والكويت) والمواجهات (مع التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة).
لَقَد كان الإجماع بعد عام 2003-على تجنب المواجهة العسكرية الخارجية والتدخلات الخارجية المتطرفة, وبدلاً من ذلك العمل على بناء المصـالح العليـا للـوطن عبر الانتقـاء العقلاني للوسـائل والأدوات اللازمـة من خلال نهج سياسي جديد يوّحد سياسته وطنيا باتجاه السعي لتحقيق مصالحه العليا- بعيداً عن مبدأ ترحيل الازمات ومعالجة الازمة السياسية بازمة اخرى – وخارطة طريق تمكنهم من التواصل والحوار السياسي والى طبقة سياسية تدرك ابعاد هذه المرحلة , من اجل تحقيق اهداف التي هي جوهر مصالحه العليا .
إن تحديد المصالح الوطنية العليا لأية دولة يعد أمرا بالغ الاهمية وهي مسألة حيوية وحاسمة, فهي المسار الذي يحدد لصانع القرار تحركاته على المستوى( السياسي والحكومي والدبلوماسي) , وان نجاح العراق يكمن بتوفر اربعة عناصر
- وجود قيادة فاعلة
- وجود ارادة جماهيرية
- ارث حالات
- الاستفادة من تجارب الاخرين
يمكن تنقسم المصالح العراقية على مستويات ثلاث:
المستوى الأول : المصالح الحيوية : وترتبط بعلة وجود الدولة وبقائها, التي تستدعي من العراق على المستوى الخارجي بناء القدرات العسكرية، والتعاون الدولي في مجال مكافحة الإرهاب, فضلاً عن اللجوء الى الدبلوماسية في تنظيم وجود القوات الاجنبية، سيما الولايات المتحدة الأمريكية , وتنظيم العلاقات مع دول الجوار, خدمةً لمصالحه , فضلاً عن ذلك يمكنه من لعب الدور الوسيط في الأزمة مابين الولايات المتحدة وإيران , بمعنى اخر العمل على جعل جواره خالي من الأزمات , والمساهمة في مواجهة التطرف الدولي , واتباع سياسة الحياد والابتعاد عن سياسة المحاور.
المستوى الثاني هي المصالح الاساسية : التي تتعلق بازدهار الاقتصادي وتحقيق الرفاهية عبر العمل على إنعاش قطاع الطاقة، وتلبية الطلب المحلي على المياه والطاقة، والعمل على تنويع الصادرات وعدم الاكتفاء بالصادرات النفطية, وزيادة التجارة والاستثمار، الامر الذي دفع العراق إلى إعادة بناء العلاقات اقتصادية مع دول الجوار مع الشركاء الإقليميين والعالميين.
وقد أدت العقود المبرمة مع شركات الطاقة الغربية والصينية والروسية إلى تنشيط قطاعها النفطي، كما أقام العراق علاقات مع إيران وتركيا والعديد من دول الخليج والأردن وسوريا للمساعدة في تلبية احتياجاتها من الطاقة والنقل والمياه والكهرباء.
يبرز اقتصاد العراق سريع النمو كمحرك للنمو في الشرق الأوسط ولاعب رئيس في أسواق الطاقة الدولية, إذ يشهد وضعه الاقتصادي تحسناً تدريجياً بعد هزيمة (داعش) في العراق واستئناف صادرات النفط وهذا المستوى مرتبط بالمصالحة الحيوية.
المستوى الثالث المصالح الثانوية (المنظومة القيمية) وتعني وجود النظام العقائدي القيمي والاجتماعي الذي يعد الاطار المرجعي للحركة البشرية , وتعد من المفاهيم الحضارية ذات القدرات الوصفية والتحليلية والتفسيرية والتقويمية , بما اهلها للمساهمة في بلورة معايير السلوك التي تعبر عنها الانطباعات والاعراف في المواقف المختلفة ويرتبط بذلك ضرورة ادراك الافراد والجماعات لتحيزاتهم القيمية واستقامة التعامل مع الذات من خلال تعريف الامن.
ان الامة تبقى في وضع آمن إلى الحد الذي لا تكون فيه عرضة لخطر التضحية بالقيم الانسانية، اذ كانت ترغب في تفادي وقوع الحرب وتبقى قادرة لو تعرضت للتحدي على صيانة هذه القيم عن طريق انتصارها في الحرب.
لقد اختلف العراق قبل عام 2003 عن العراق بعد التغيير اذ كان النظام السياسي شمولي قائم على الحزب الواحد , فضلاً عن طبيعة المجتمع يعد مجتمع تقليدي –حسب نظرية فيبر- (لا يعرف التخصص الوظيفي ) , اما بعد التغيير اصبح النظام السياسي ديمقراطي قائم على التعددية , وهذا يتطلب من المجتمع الانتقال من ثقافة الخضوع الى ثقافة المشاركة في الحكم عبر الانتخابات ,ومن ثم شكل هذا الامر ازمة في الهوية الوطنية.
كما أنَّ عدم وضوح الايديولوجيا التي يقوم عليها النظام السياسي في العراق بعد عام 2003 -لان التغيير الذي حصل كان بفعل عسكري وتتدخل من الخارج – قاد الى ضعف في المؤسسات الدستورية وتشوه في التجربة الديمقراطية .
إن المصلحة القيمية تعني تنشئة المواطن العراقي ثقافياً وسياسياً ليكون فاعلاً سياسياً بحد ذاته , قادراً على المشاركة في صناعة القرار السياسي الوطني , ومساهماً في اصلاح النظام السياسي ومؤسسات السلطة.
تشكل المنظومة القيمية اهمية كبرى للقادة فهي تعطي سعة في التفكير وترسم التوقعات, وتحدد القيم اولويات العمل الاساسية , كما انها تعد المحدد للاهداف والسياسات بحيث يجب ان تكون هذه الاهداف متوافقة ومنسجمة مع القيم , فهي –المنظومة القيمية – معيار يتم الجوء اليه اثناء مقارنات بين البدائل السلوكية.
أن المصالح العليا الـتي تعتمــد المـنهج العلمــي العقــلاني في توظيـف قــدرات ومـوارد الــبلاد الحقيقيــة التي تتواءم مــع معطيــات النظــام الــدولي كفيلــة بتجنيــب الــبلاد لمظــاهر الاســتنزاف والفشــل علــى صــعيد السياســة الخارجية.

