في بدر، حين انكشفت الأرض على قِلّةٍ صابرة، وقف النبيّ محمد بين الصفوف، ورفع دعاءً خرج من عمق اليقين لا من وفرة السلاح، فقال:
«اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تُعبد في الأرض».
كان الدعاء آنذاك ارتجاف قلبٍ بين يدي الله، واستسلاماً كاملاً لمن بيده النصر والهزيمة، فاستجابت السماء، لا لتبدّل قوانين الكون، بل لتُظهر معناها.
ومن ذلك النداء الأول، بدأت حكاية العناية الإلهية تسير في الأزمنة. مقاومةٌ وُلدت يتيمة الإمكانات، ثقيلة الجراح، لكنها خفيفة الروح؛ لأن الروح إذا اتصلت بالغيب اشتدّ عودها. نشأت كما ينشأ الفجر من رحم الليل: خجولة الضوء، صلبة الوعد. كانت تُربّى على الصبر، وتُسقى من معنى الكرامة، وتُحاط بعينٍ لا تنام.
كبرت المسيرة، لا بالضجيج، بل بالتراكم؛ كل تجربةٍ درس، وكل خسارةٍ بوصلة، وكل انتصارٍ مسؤولية. ومع الوقت، اشتدّ العود، واستقام الظهر، وصار الحضور رقماً صعباً في أي معادلة. لم يكن ذلك طفرةً عابرة، بل نمواً طبيعياً لما كان لله خالصاً؛ فالخالص ينمو، والصدق يُثمر، والثبات يستدعي المدد.
ولا خوف على هذه المقاومة ما دامت في عناية الله ورعايته؛ فالعناية إذا أحاطت، نزعت الخوف من القلوب، وحوّلت العواصف إلى امتحانٍ للثبات لا إلى نهاية. إن وعد الله إذا انعقد لا يُنقَض، وإذا وُهب لا يُسحَب، وهو متمٌّ وعده بها، ولو كره الكارهون. قد يعلو الضجيج، وقد تتكاثر السهام، لكن العين التي ترعى لا تغفل، واليد التي تحفظ لا تُخطئ.
العناية الإلهية هنا تشبه يد أمٍّ على كتف طفلها: لا تمنعه من السقوط، لكنها تعلّمه النهوض. تحميه دون أن تُغريه بالغرور، وتشدّ على قلبه كي لا يتيه. هكذا صيغت المسيرة: أخلاقٌ قبل القوة، وبوصلةٌ قبل البنادق، ومعنى يسبق العدد.
وفي عمق الفؤاد، تهمس الحقيقة: من كان بعين الله، لا يضيع. ومن جعل غايته الحقّ، جعل الله له من أمره نوراً. هكذا تهزّ العناية الإلهية المشاعر؛ لأنها ليست وعداً سهلاً، بل رعايةً تصنع الرجال، وتكتب تاريخاً بصوتٍ خافتٍ… لكنه لا يُنسى.


