المقدمة:
عقب الانحسار العسكري لتنظيم داعش في العراق عام 2017، شهد التنظيم تحوّلًا استراتيجيًا لافتًا في أنماط عمله، إذ انتقل من السيطرة المكانية المكشوفة إلى ما يمكن توصيفه بـ «الاختراق المجتمعي الصامت». وفي إطار هذه الاستراتيجية الجديدة، برزت المهن الخدمية المتنقلة، وفي مقدمتها قيادة سيارات الأجرة، بوصفها من أكثر الأغطية فاعلية للتغلغل داخل المدن والمناطق الحضرية.
وتكمن خطورة هذه الظاهرة في طبيعتها غير المرئية، إذ تتخفى داخل تفاصيل الحياة اليومية الاعتيادية، وتستفيد من الروتين الاجتماعي والأمني، الأمر الذي يجعل رصدها بالأساليب التقليدية أمرًا بالغ الصعوبة. وهو ما يفرض ضرورة تطوير أدوات حديثة للرصد والوقاية، بالتوازي مع تعزيز الدور الوقائي للمجتمع في حماية نفسه من هذا النوع من التهديدات المركبة.
العرض:
أولًا: مهنة قيادة سيارة الأجرة كغطاء مثالي للعمل الإرهابي
تتميّز مهنة قيادة سيارة الأجرة بثلاث خصائص رئيسة تجعلها غطاءً مثاليًا للجماعات الإرهابية، هي: الاعتيادية، والحركية، والتواصل المباشر مع المجتمع. فالسائق يتمتع بحرية حركة يومية واسعة، وقدرة على التوقف في نقاط حساسة من دون إثارة الشبهات، فضلًا عن احتكاكه المباشر بالمواطنين، واستماعه لأحاديثهم، ورصده للمزاج العام والتوجهات الاجتماعية.
هذه الخصائص تجعل من سائق الأجرة عنصرًا قادرًا على الاندماج الكامل في البيئة الحضرية، والعمل ضمنها من دون أن يلفت الانتباه، وهو ما تسعى إليه التنظيمات الإرهابية في مراحلها غير الصدامية.
ثانيًا: طبيعة المهام التي يؤديها السائق المرتبط بخلايا إرهابية
لا يقتصر دور سائق الأجرة المرتبط بخلايا إرهابية على الرصد البسيط، بل يتعداه إلى حزمة من المهام المتداخلة، من أبرزها:
– المهام الاستخبارية: مراقبة الروتين اليومي للأحياء، متابعة الأسواق والتجمعات، وتحديد أوقات الذروة، ورصد نقاط الضعف الأمنية.
– المهام اللوجستية: مثل نقل الأموال الصغيرة غير اللافتة، تمرير الرسائل الشفوية، وتسهيل حركة عناصر غير معروفة أمنيًا بين المناطق.
– المهام التعبوية والنفسية: عبر نشر الشائعات، وبث الإحباط واليأس، واختبار قابلية بعض الأفراد للتأثر أو الاستقطاب الفكري.
– المهام التكتيكية غير المباشرة: وتشمل دعم الحركة قبل العمليات وبعدها، وتسهيل التنقل والانسحاب من دون الانخراط المباشر في التنفيذ.
ثالثًا: أسباب التركيز على المناطق المكتظة بالسكان
تركّز الجماعات الإرهابية على الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية، مثل مدينة الصدر، والشعلة، والحرية، لأسباب بنيوية تتعلق بطبيعة هذه المناطق، من أبرزها:
– صعوبة التمييز بين السكان الأصليين والوافدين.
– كثافة الحركة اليومية، التي تُخفي السلوكيات الشاذة.
– ارتفاع التأثير النفسي والإعلامي لأي حادث أمني يقع فيها.
– وجود بيئات اجتماعية معقّدة يمكن استغلال بعض ثغراتها.
وعليه، فإن الهدف الأساسي لا يقتصر على إيقاع خسائر مادية، بل يتجاوز ذلك إلى زعزعة الشعور الجمعي بالأمان وضرب الثقة المجتمعية.
رابعًا: العلاقة بين الإرهاب والجريمة المنظمة
تشير تقارير أمنية دولية إلى أن الجماعات الإرهابية في العراق اعتمدت على مصادر تمويل متعددة، من بينها:
– الخطف مقابل الفدية.
– تجارة المخدرات.
– تهريب النفط والغاز عبر السوق السوداء.
– الاتجار بالآثار والقطع التاريخية وبيعها خارج البلاد.
– الابتزاز وفرض الإتاوات على التجار وأصحاب الأعمال.
– الاتجار بالبشر عبر شبكات الهجرة غير الشرعية، أو الاستغلال الجنسي والعمالة القسرية.
– الاتجار بالأسلحة عبر السوق السوداء.
ويعكس هذا التنوع ما يُعرف في الأدبيات الأمنية بـ «تقاطع الجريمة–الإرهاب»، حيث تتداخل مصالح العصابات الإجرامية مع أهداف الجماعات الإرهابية، في علاقة وظيفية قائمة على تبادل المنافع.
خامسًا: سبل الوقاية الأمنية والمجتمعية
تتطلب مواجهة هذا النمط من التهديدات اعتماد مقاربة شاملة، تتوزع على عدة مستويات:
– التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي: التوسع في استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي لرصد الأنماط المشبوهة في حركة سيارات الأجرة، وتحليل البيانات في المناطق المكتظة والشوارع الرئيسة.
– الكاميرات المجتمعية: تشجيع المواطنين على نصب كاميرات مراقبة في منازلهم وربطها بالأجهزة الأمنية ضمن سيطرة مركزية، بما يخدم حماية الأحياء والمدن.
– التطبيقات الأمنية الموثوقة: مثل تطبيق عين العراق لوزارة الداخلية وتطبيق أمين التابع للأمن الوطني، للإبلاغ عن أي نشاط أو شخص يثير الشبهة، مع ضمان سرعة الاستجابة وحماية المبلّغين.
– التحقق الصارم من سائقي الأجرة: عبر التدقيق في العناوين والسوابق والسجل الوظيفي، وسحب رخصة كل من يثير الريبة، على أن تكون هذه الإجراءات عادلة، علمية، ومهنية بعيدًا عن التعميم.
– المستوى المجتمعي والفردي: تعزيز ثقافة الملاحظة الواعية، الإبلاغ عبر القنوات الرسمية، وتجنب الخوض في الأحاديث المتعلقة بالمواقع الحساسة أو الدخول في نقاشات استفزازية مع السائقين.
الخاتمة:
تخلص هذه الدراسة إلى أن سائق الأجرة المرتبط بخلايا إرهابية لا يمثل تهديدًا فرديًا معزولًا، بل يشكّل حلقة وصل صامتة بين المجتمع والجريمة المنظمة والعمل الإرهابي. وتكمن خطورة هذه الظاهرة في قدرتها على استغلال الروتين الأمني وصمت المجتمع، والتخفي داخل تفاصيل الحياة اليومية.
إن المواجهة الفاعلة لهذا التهديد تتطلب مزيجًا متكاملًا من الوعي المجتمعي، والتحليل السلوكي، والتكامل بين الجهدين الأمني والمجتمعي، إلى جانب التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي، وتفعيل الكاميرات المجتمعية، وتشجيع المواطنين على استخدام التطبيقات الأمنية الموثوقة، فضلًا عن التحقق الصارم والعادل من سائقي الأجرة. وبهذا تتشكل منظومة وقائية متكاملة قادرة على حماية المواطن، والمنطقة، والمدينة من التهديدات غير المرئية.


