شكَّل إعلان الولايات المتحدة عن البَدْء بسحب قواتها العسكرية العاملة ضِمن مظلّة التحالف الدولي من العراق منذ بداية شهر سبتمبر/ أيلول 2025 والإعلان عن انتهاء سحب كامل القوات الأمريكية مع حلول نهاية العام أحد أبرز التحوُّلات الإستراتيجية في سياق العلاقات الأمنية بين بغداد وواشنطن.
ان انسحاب القوات الامريكية من العراق خطوة بالاتجاه الصحيح لتحقيق السيادة الوطنية الكاملة ، لكنها اختبار حقيقي للقوات العسكرية والأمنية العراقية لفرض الامن وتحقيق الاستقرار في البلد ومن ثم توفير بيئة ملائمة ومحفزة للاستثمار باعتباره احد اهم متطلبات النمو والتنمية المستدامة ، كما ان تأثير الانسحاب لا يقتصر على الامن بل يمتد الى ترشيد الانفاق والاستثمار والطاقة والموازنة وسعر الصرف والنمو الاقتصادي … نحاول في هذا المقال تسليط الضوء عليها باختصار وكالاتي :
أولا : الانفاق العام
يؤثر الانسحاب الأمريكي من العراق على الانفاق العام من ناحيتين : الأولى قد تنخفض النفقات الحكومية المرتبطة بالدعم اللوجستي والأمني للقوات الأجنبية ، والتي يمكن توجيهها الى البنية التحتية والخدمات والاستثمار المحلي . والثانية قد تضطر الحكومة العراقية الى زيادة الانفاق العسكري لإصلاح القطاع الأمني، أو عقود التسليح وتحديث المنظومة العسكرية . وعليه فان الأثر الصافي سيحدث فارقا في تقليل الانفاق على القوات الأجنبية بشكل اكبر من زيادة الانفاق على القوات الوطنية ، كما ان الأخير سيتضاءل بمرور الوقت بعد إعادة تأهيل وتدريب القوات الأمنية وقدرتها على فرض سلطة القانون .
ثانيا : الاستثمار الأجنبي
يشير صندوق النقد الدولي ان تدهور الامن احد اهم المخاطر التي يمكن ان تؤدي الى انخفاض الاستثمار ، وبالتالي فان العامل الحاسم هو مستوى الاستقرار الأمني بعد الانسحاب الأمريكي ، فاذا حافظ العراق على الاستقرار فقد يكون الأثر إيجابيا وزيادة الاستثمارات الاجنبية ، اما اذا أدى الانسحاب الى تحديات امنية ، فقد ترتفع المخاطر الأمنية وتراجع الاستثمار الأجنبي .
ثالثا : القطاع النفطي
تشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الامريكية ان العراق ينتج اكثر من ( 4 ) مليون برميل يومياً من النفط الخام عام 2025 ، وان الاقتصاد العراقي يعتمد بدرجة كبيرة تصل الى اكثر من 90% على الإيرادات المتأتية من الصادرات النفطية . وان انسحاب القوات الامريكية من العراق قد يحول العلاقات بين بغداد وواشنطن، من شراكة امنية الى شراكة في مجال الاستثمار والطاقة ، وفسح المجال امام الشركات الامريكية الكبرى لتطوير قطاع الطاقة في العراق استراتيجية شراكة امنية الى استراتيجية شراكة اقتصادية ، من خلال فسح المجال امام الشركات الامريكية الكبرى للاستثمار في قطاع الطاقة ، مما يعزز من مكانة العراق كلاعب رئيسي في أسواق النفط والغاز ، خصوصا اذا ما علمنا ان العراق يهدف الى زيادة الإنتاج النفطي الى 10 مليون برميل يومياً.
رابعا : الموازنة العامة
عادة ما تعد الموازنة العامة للدولة بحالة عجز، وقد قدر صندوق النقد الدولي عجز الموازنة بنحو 4% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2025 . يمكن ان يظهر اثر الانسحاب الامريكي في الموازنة العامة للدولة من خلال مسارين : الأول تحسن نسبي في الانفاق العام من خلال انخفاض النفقات العسكرية للقوات الأجنبية ، والثاني زيادة الإيرادات النفطية ، وذلك بسبب ارتفاع أسعار النفط نتيجة التوترات الجيوسياسية .
خامسا : سعر الصرف والاحتياطيات الأجنبية
يمكن النظر الى اثر الانسحاب الأمريكي من العراق على سعر الصرف والاحتياطيات الأجنبية حسب حالة الاستقرار الأمني في البلد ، فاذا ما تم الاحتفاظ على الاستقرار الأمني واستمرت صادرات العراق النفطية فمن غير المتوقع ان يكون للانسحاب سببا مباشرا في حدوث ازمة في سعر الصرف والاحتياطيات الأجنبية . اما اذا أدى الانسحاب الى اضطراب امني واقتصادي فقد يحدث تراجع في انتاج / تصدير النفط ، ثم انخفاض كمية الدولارات الداخلة للعراق ، وبالتالي الضغط على الاحتياطيات الأجنبية ، مما يؤدي الى زيادة الضغط على سعر الصرف وارتفاع تكلفة الواردات .
سادسا : التجارة والنقل
الاضطراب الأمني بعد الانسحاب الأمريكي قد يؤدي الى :
- ارتفاع تكاليف النقل والتأمين
- ارتفاع تكلفة استيراد السلع
- زيادة مخاطر الطرق البديلة
- تأخير المشاريع الاستثمارية
- ارتفاع تكلفة تنفيذ مشاريع البنية التحتية
اما الاستقرار الأمني وقدرة القوات العراقية على فرض الامن فانه سيؤدي الى تخفيض تكاليف النقل والمخاطر ومن تحفيز الاستثمار في المشاريع والقطاعات الحيوية .
سابعا : النمو الاقتصادي
يمكن تصور سيناريوهين لانسحاب القوات الامريكية من العراق وارتباطها في النمو الاقتصادي :
الأول سيناريو الاستقرار ويتثمل بزيادة الاعتماد على المؤسسات الأمنية العراقية ، ومن ثم تحقيق استقرار امني وبالتالي زيادة الاستثمار وتحفيز النمو الاقتصادي . اما السيناريو الثاني يتمثل بارتفاع المخاطر الأمنية ومن ثم تراجع الاستثمار وتثبيط النمو الاقتصادي .
وتأسيسا على ما تقدم فان انسحاب القوات الامريكية لا يؤدي بالضرورة الى اثار اقتصادية سلبية او إيجابية بحد ذاته ، وانما يتوقف الأثر بدرجة كبيرة على قدرة العراق على ملئ الفراغ الأمني والحفاظ على الاستقرار ، وان الأثر الاقتصادي الأهم المحتمل ليس في تكلفة خروج القوات نفسها وانما في تأثير الانسحاب على المخاطر الأمنية والاستثمار وإنتاج وتصدير النفط .


