لا تُقيس السياسة إخفاقات الدول دائماً بمؤشرات النمو أو تقارير الموازنات ، بل أحياناً تكفي استعارة واحدة صادقة لتلخيص المشهد بأكمله ، ولعلّ ( نظرية الحصان الميت) من أكثر النظريات قدرةً على تشريح سلوك الدولة “المركزية” حين تواجه فشلاً واضحاً لكنها بالمقابل تصرّ على التعامل معه بوصفه لغزاً معقّداً لا حلاً بديهياً له .
تقول النظرية ببساطة موجعة إذا اكتشفت أنك راكب حصاناً ميتاً فالقرار العقلاني الوحيد هو النزول عنه ، غير أن الواقع السياسي يخبرنا أن ما يبدو بديهياً في المنطق يصبح محرّماً في الإدارة المركزية ، فبدلاً من النزول تبدأ سلسلة من الإجراءات العبثية (شراء سرجٍ جديد أو إطعام الحصان وكأنه ما زال حياً أو تغيير الفارس أو عقد اجتماعات مطوّلة لبحث “آليات زيادة سرعة الحصان”) من ثم يتم تُشكَّل لجانٍ مختلفة وتُكلَّف فرق عمل وتُنجز دراسات تستغرق أشهراً من الجهد والبحث العلمي لتصل في النهاية إلى النتيجة نفسها(“الحصان ميت”… لكن من دون إعلان ذلك) .
وفي الدولة المركزية الاعتراف بالفشل يُعدّ تهديداً لهيبة القرار لذلك يُستعاض عنه بالإنكار المنهجي ، تُقارن الإخفاقات بإخفاقات أسوأ وتُحمَّل المسؤولية للظروف أو للبيئة الدولية أو لسوء “التنفيذ” لا لسوء النموذج ذاته ، وحين يبلغ الإنكار ذروته يُعاد تعريف المفاهيم فلا يعود الفشل فشلاً ، بل (تحدياً) ولا يعود التوقف موتاً ، بل (مرحلة انتقالية) .
البصرة… الحصان الذي يجرّ الدولة ولا يُسمح له بالقيادة
في قلب هذا المشهد تبرز محافظة البصرة بوصفها المثال الأوضح للحصان الذي يجرّ العربة منذ عقود من دون أن يُسمح له بالجلوس فيها ، فمنذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة ما بعد الاحتلال البريطاني لم تُسنَّم البصرة موقع رئاسة الوزراء ولو مرة واحدة!! وكأن القيادة حكرٌ جغرافي لا “يُناقش” لا استحقاقاً وطنياً يُقاس بالكفاءة أو بالمساهمة الفعلية .
والمفارقة أن البصرة تساهم بما يُقدَّر بنحو (85% من الناتج المحلي الإجمالي) وتمثّل المصدر الأساس لتمويل الموازنة العامة بما فيها (مصدر معيشة لنحو 46 مليون نسمة) فضلاً عن تمويل مشاريع تنتهي عوائد الكثير منها في المكاتب الاقتصادية للأحزاب لا في حياة مواطنيها ، ومع ذلك تُعامل المحافظة وكأنها هامش خدمي لا مركز ثقل اقتصادي .
وتبلغ المفارقة ذروتها في “أزمة المياه” فمشروع تحلية مياه البحر بكلفة لا تتجاوز (ملياري دولار) أي ما يعادل تصدير النفط لأسبوع واحد أو أقل يُقدَّم دائماً بوصفه عبئاً مالياً كبيراً في حين تُهدر أضعاف هذا المبلغ على مشاريع بلا أثر تنموي واضح كالجسور التي وقعت قبل افتتاحها أو التي لم يستلم منفذوها من المقاولين مستحقاتهم المالية والبالغة (30 ترليون دينار عراقي) والنتيجة أن محافظة تُغذّي الدولة بالنفط لا تمتلك ماءً صالحاً للشرب بسبب شحّ المياه وارتفاع نسب الملوحة إلى مستويات غير صالحة للاستخدام البشري .
هنا يصبح السؤال سياسياً بامتياز (هل تفتقر البصرة إلى الكفاءات؟ أم أن المركزية اختزلت القرار والقيادة في محافظات بعينها؟ وهل يُعقل أن تُترك محافظة بهذا الثقل الاقتصادي خارج أولويات الإنقاذ؟)
إن هذا الغبن ليس خللاً عرضياً ، بل نتيجة مباشرة لنموذج مركزي يُعمّم الفشل ويُصادر القرار .
وهنا بالضبط ينتقل النقاش من توصيف الأزمة إلى البحث عن البديل .
فاللامركزية (إقليم البصرة) ليست شعاراً إدارياً ، بل (قراراً سياسياً شجاعاً بالنزول عن الحصان الميت) إنها الاعتراف بأن تركيز القرار في مركز واحد لم يُنتج عدالة ولا كفاءة وأن توزيع الصلاحيات يخفف كلفة الخطأ ويمنع تحوّله إلى كارثة وطنية شاملة ، في النظام اللامركزي تُدار الموارد حيث تُنتج وتُحلّ الأزمات حيث تقع ويُحاسَب الفشل محلياً قبل أن يتحول إلى سياسة عامة .
إن الدولة التي تصرّ على إدارة شؤونها من فوق حصان ميت ستظل تتقدم في الخطاب وتتأخر في الواقع ، أما الدولة التي تملك شجاعة الاعتراف وتغيير المسار وتبنّي اللامركزية بوصفها نظاماً لا منّة ، فهي وحدها القادرة على السير قدماً ، فالحكم الرشيد لا يُقاس بقدرة السلطة على إنكار الموت ، بل بقدرتها على اختيار حصانٍ حيّ .


