المقدمة:
كثيرة هي الحلول التقنية التي تُطرح لمعالجة الأزمة المالية في العراق، لكن جوهر المشكلة لا يكمن في نقص الخطط، بل في إرادة تطبيقها وجراحة مواجهة المصالح الراسخة لذلك فإن بوصلة الإصلاح لابد ان تتوجه مباشرة نحو القلب النازف للمالية العامة.
ثقافة الامتيازات غير المستحقة، والهدر في الإنفاق الجاري، والنظام السياسي الذي يحوّل الوزارات إلى إقطاعيات شخصية وحزبية. لن يكون الحل بإعلانات جزئية أو مبادرات شكلية، بل ببرنامج إصلاحي متكامل يتعامل مع الأزمة باعتبارها كتلة واحدة، تركز على تقليص رواتب وامتيازات الرئاسات الثلاث والدرجات الخاصة والمديرين العامين.
١-تفكيك اقتصاد الامتيازات: بقرارات صارمة وفورية.
يجب أن تكون الرسالة الأولى واضحة زمن الامتيازات غير المبررة على حساب شعب يئن تحت وطأة الأزمة قد ولى وهذا يتطلب حزمة من القرارات الحاسمة:
اولا -توحيد وترشيد الرواتب العليا:
يجب إصدار تعليمات إلزامية لتوحيد رواتب كبار المسؤولين، بما في ذلك المدراء العامون وشاغلو الدرجات الخاصة، في سلم واحد عادل وشفاف، مع إلغاء جميع البدلات والمكافآت الاستثنائية غير المنصوص عليها بقانون الخدمة. هذا التوحيد يجب أن يكون “لأدنى” وليس “لأعلى”، كي لا يتحول إلى مكافأة جديدة تهدد الموازنة، كما يخشى المواطنون. يجب أن يُعلن عن هذه الرواتب الموحدة علناً ليكون الجميع رقيباً.
ثانيا -هيكلة شبكة “الدرجات الخاصة”:
هذه العناوين الإدارية أصبحت بوابة رئيسية لاستنزاف المال العام ومكافأة الولاءات السياسية والحزبية دون معايير كفاءة حقيقية.
تجميد التعيينات الجديدة في هذه الدرجات وبدء عملية مراجعة شاملة لشاغليها الحاليين، يتم على إثرها إعادة توزيع من يستحق منهم على درجات وظيفية نظامية، وإنهاء خدمات من تم تعيينهم بمعايير غير مهنية.
ثالثا -تقليص مظاهر الصرف الباذخ:
سيُفرض حظر فوري على استيراد السيارات الفارهة الجديدة لكبار المسؤولين، وتقنين استهلاك الوقود والكهرباء في مكاتبهم ومقرات إقامتهم الرسمية، وإلغاء مخصصات السفر والإعاشة المفتوحة. سيتم تحويل كل مديرية أو رئاسة إلى “وحدة محاسبة مصغرة” مسؤولة عن ترشيد إنفاقها.
٢- إصلاح منظومة الإنفاق العام: من الرواتب إلى الاستثمار
لا يمكن علاج الأزمة دون معالجة التشوه الهيكلي في الموازنة. فالعراق ينفق أكثر من 60% من موازنته على الرواتب والمعاشات، بينما لا يتجاوز الإنفاق الاستثماري التنموي 7%. هذا يعني تجويع المستقبل لإرضاء استهلاك الحاضر. لذلك، ستكون الأولوية:
اولا -إعادة هيكلة جدول الأجور: بالتوازي مع إصلاح امتيازات كبار المسؤولين، يجب البدء في حوار مجتمعي لوضع سلم رواتب عادل جديد يراعي العدالة بين مختلف الفئات ويحفز الإنتاجية. الهدف هو كسر الجمود الذي يجعل أي محاولة لإصلاح كتلة الرواتب مستحيلة سياسياً واجتماعياً.
ثانيا -تحويل الادخار إلى استثمار: سيتم تحويل كل دينار يُوفر من ترشيد الامتيازات ورفع كفاءة الإنفاق الجاري، مباشرة إلى صندوق سيادي للتنمية والاستثمار. هذا الصندوق سيكون وقوداً للمشاريع الإستراتيجية في البنية التحتية والطاقة المتجددة والقطاعات الإنتاجية التي تخلق فرص عمل حقيقية وتقلل الاعتماد على النفط الذي يشكل 93% من إيرادات الدولة.
ثالثا -وقف الحلول المؤقتة المدمرة: سينتهي العمل بالأساليب القصيرة النظر التي تستنزف مستقبل البلاد، مثل تقليص الإنفاق الاستثماري، أو السحب العشوائي من احتياطيات النقد الأجنبي للبنك المركزي العراقي، أو التلاعب غير المحسوب بسعر صرف الدينار للحصول على إيرادات سريعة. هذه الإجراءات، رغم أنها تخفف العجز مؤقتاً، فإنها تدفع بالبلد إلى هاوية أعمق من عدم الاستقرار المالي وتآكل الثقة.
رابعا -كسر حاجز النظام السياسي الريعي والإقطاعي
أكبر عقبة أمام أي الإصلاح هي نظام المحاصصة (المحاصصة الطائفية والعراقية) الذي يحول الدولة إلى غنيمة. في هذا النظام، تُدار الوزارات كإقطاعيات حزبية، ويُستخدم التعيين في المناصب العليا (مثل الدرجات الخاصة) لتغذية شبكات المحسوبية والفساد. لذلك، لا يمكن فصل الإصلاح المالي عن الإصلاح السياسي والعمل على:
( ١). ربط التمويل بالإصلاح المؤسسي: ستُربط الموارد المالية المخصصة لكل وزارة أو محافظة بشكل صارم بتنفيذ خطط إصلاح إداري تشمل تعليق التعيينات غير الضرورية، واعتماد نظام الإدارة المالية المتكاملة الذي يفرض الشفافية ويحد من الفساد في عقود المشتريات والعطاءات.
(٢ ). تمكين هيئات الرقابة: ستُدعم هيئات مثل لجنة النزاهة ومجلس الرقابة العليا بصلاحيات إنفاذ حقيقية واستقلالية كاملة لمحاسبة المفسدين ومتابعة المال العام، بدلاً من بقائها هياكل شكلية.


