في منطقةٍ أنهكتها الحروب المؤجَّلة، واستنزفها الانتظار الطويل على حافة الانفجار، يقف المشهد الإقليمي اليوم عند مفترق تاريخي بالغ الحساسية. لا حرب تُعلَن فتُحسم، ولا سلم يُبنى فتُصان ركائزه. نحن أمام حالة رمادية خانقة، تتآكل فيها المعادلات القديمة من دون أن تولد بدائل واضحة، ويغدو فيها الاستقرار مجرّد هدنة هشة، قابلة للانهيار عند أول اختبار جدّي.
منذ وقف إطلاق النار بين لبنان والكيان الصهيوني، لم تتوقف الخروقات، ولم تُعالج أسباب التوتر. الجنوب لا يزال يعيش تحت سماء مفتوحة على الاحتمالات، حيث يُدار الاشتباك على حافة الانفجار، بضبطٍ دقيق للتصعيد لا يلغي خطره بل يؤجله. وفي موازاة ذلك، تتسع رقعة الاضطراب الإقليمي، وتتداخل خطوط المواجهة بين الجمهورية الإسلامية والكيان، في مشهد تتشابك فيه الحروب العسكرية بحروب الاقتصاد والأمن السيبراني، في سباق استنزاف طويل الأمد.
أما في اليمن، فقد سقط وهم «تلاقي المصالح» بين الرياض وأبو ظبي. فالتقاطع الذي جمعهما سابقاً انتهى عملياً، وها هي الفصائل المدعومة من الطرفين تدخل في اشتباكات مباشرة، كاشفة حجم التناقض في المشاريع والأجندات. اليمن، الذي صمد أمام حرب مدمّرة، لم يعد ساحة هامشية، بل بات لاعباً يفرض معادلاته، ويرسم خطوطاً حمراء تتجاوز جغرافيته، خصوصاً في ما يتعلق بأمن الملاحة وبأي وجود عسكري للكيان في محيطه البحري، باعتباره تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي.
وفي موازاة ذلك، جاء التصريح الباكستاني الواضح، خلال حرب الأيام الاثني عشر، ليؤكد أن أي استخدام للسلاح النووي أو غير التقليدي ضد إيران سيُدخل إسلام آباد مباشرة في المواجهة. تصريح لا يمكن قراءته كرسالة تضامن عابرة، بل كمؤشر على أن الصراع بات يمسّ توازنات دولية كبرى، وأن قواعد الاشتباك القديمة لم تعد صالحة لإدارة مرحلة تتجه نحو إعادة تشكيل عميقة لموازين القوى.
في هذا السياق، يفرض السؤال نفسه بإلحاح: من سيشعل الشرارة الأولى؟ وأين ستكون؟ أفي لبنان، حيث تماسّ النار مباشر؟ أم في إيران حيث الثقل الاستراتيجي؟ أم في ساحة أخرى لم تُدرج بعد في حسابات اللحظة؟ وهل ستبقى الولايات المتحدة في موقع المُدير من الخلف، أم تجد نفسها مضطرة للانخراط المباشر حين تتجاوز التطورات قدرة الاحتواء؟
هنا تبرز فكرة «خلط الأوراق» لا بوصفها دعوة إلى الفوضى، بل كتعبير عن انسداد المسار السياسي القائم. فالفوضى، في هذا السياق، ليست غاية بحد ذاتها، بل نتيجة طبيعية لتراكم الأزمات، ولإصرار القوى الدولية على إدارة الصراع لا حلّه. إنها لحظة اهتزاز في نظامٍ فقد توازنه، حيث تتهاوى المسلّمات الواحدة تلو الأخرى، وتُفرض وقائع جديدة بقوة الميدان لا بالبيانات الدبلوماسية.
وفي قلب هذا المشهد الإقليمي المتصدّع، يبرز الواقع اللبناني بوصفه الحلقة الأضعف والأكثر استهدافاً. فالحكومة اللبنانية، بدل أن تحصّن موقعها التفاوضي، تمضي في تقديم تنازلات سياسية كبرى من دون أي مقابل فعلي، مكتفية بخطاب يركّز حصراً على مسألة سلاح المقاومة، من دون أي ضمانات حقيقية لتنفيذ القرار 1701، أو لوقف الاعتداءات المتكررة، أو حتى لتثبيت الحدّ الأدنى من السيادة الوطنية.
وفي المقابل، يقف الضامنون لاتفاق غزة موقف المتفرّج، عاجزين أو غير راغبين في فرض التزاماتهم، فيما يعيش الشعب الغزّي واحدة من أقسى الكوارث الإنسانية في التاريخ المعاصر، تحت حصار وتجويع وقصف ممنهج، من دون أن تترجم البيانات الدولية إلى أفعال.
ورغم كل ذلك، يواصل الكيان الصهيوني الإعلان جهاراً عن نواياه التوسعية، وعن رغبته في توسيع نطاق سيطرته خارج حدوده المحتلة، فيما يكتفي العالم العربي، حتى اللحظة، بلغة الإدانة والاستنكار، وكأنها باتت بديلاً عن الفعل، وغطاءً للعجز.
هكذا، تقف المنطقة اليوم على عتبة تحوّل مفصلي. فإما أن تُفرض تسويات كبرى تعيد رسم التوازنات وتحدّ من الانفجار، أو تنزلق الأحداث نحو مسارات مفتوحة على المجهول. وفي الحالتين، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً معلّقاً في الهواء:
هل تُدار هذه اللحظة بعقلٍ بارد يحدّ من الخسائر…
أم تُترك لتكتبها النار وحدها؟


