المقدمة:
يعاني العراق منذ عقود من اختلالات مالية واقتصادية متكررة، غالباً ما تُعالج بإجراءات تقشفية سريعة لكنها قاسية، مثل خفض رواتب الموظفين والمتقاعدين أو فرض ضرائب إضافية على المواطنين. وتأتي هذه السياسات في وقت يواجه فيه المواطن ارتفاع كلف المعيشة، ضعف الخدمات، تفاقم البطالة والفقر، واستمرار أزمة السكن، ما يجعلها عبئاً إضافياً على الفئات الأضعف اجتماعياً.
إن الإصلاح الحقيقي لا يكون بنقل كلفة الخلل المالي إلى المجتمع، بل عبر معالجة جذور الهدر والامتيازات غير العادلة، وتنويع الاقتصاد الوطني، ودعم المواطن باعتباره محور التنمية لا ضحيتها.
أولاً: ترشيد النفقات ومعالجة أبواب الهدر
يمثل الإنفاق العام غير الرشيد أحد أبرز أسباب العجز المزمن في الموازنات العراقية، ولا سيما ما يتعلق بالامتيازات العليا والنفقات غير المنتجة، ومن أبرزها:
– الدرجات الخاصة: يتجاوز عددها ستة آلاف، وتُقدّر رواتبها ومخصصاتها بأكثر من 420 مليار دينار سنوياً. إعادة النظر بهذه الامتيازات ضرورة لتحقيق العدالة الوظيفية وتقليص الإنفاق غير المنتج.
– نثريات الرئاسات الثلاث: تُصرف مبالغ كبيرة دون سقوف واضحة أو رقابة دقيقة، وتشمل مكاتب متعددة، وحمايات موسعة، وأساطيل سيارات. ضبط هذا الملف يحقق وفورات ملموسة دون التأثير على الأداء المؤسسي.
– السفارات والقنصليات: إعادة هيكلة التمثيل الدبلوماسي عبر الغلق أو الدمج أو اعتماد التمثيل غير المقيم يقلل النفقات ويحافظ على المصالح السيادية.
– الإيفادات والعلاجات الخارجية: ضبط الإيفادات غير المنتجة وقصر العلاجات الخارجية على الحالات الطارئة، مع تعزيز قدرات المؤسسات الصحية المحلية.
ثانياً: إصلاح ملف التقاعد غير العادل
-
التقاعد للأجانب والعرب
كثير من هذه الرواتب لا يستند إلى أساس قانوني، وبعض المستفيدين حصلوا على تعويضات دولية ثم عادوا بعد 2003 ليستفيدوا مجدداً، ما خلق ازدواجية غير مبررة. المطلوب إيقاف هذه الرواتب وإجراء تدقيق شامل لمنع الازدواجية.
-
قانون رفحاء
شُرّع لتعويض المهجّرين بعد الانتفاضة الشعبانية، وهو حق إنساني، لكن التطبيق حوّله إلى امتيازات دائمة مبالغ فيها. المطلوب إعادة هيكلته ليكون تعويضاً منصفاً ومحدوداً، وربطه بالمعايير العامة للتقاعد أو إدراجه ضمن برامج دعم اجتماعي مؤقت.
ثالثاً: سياسة ضريبية عادلة
– إعفاء محدودي الدخل من جميع الضرائب والرسوم.
– تخفيف العبء عن الطبقة الوسطى.
– حصر الضرائب بالأنشطة الريعية والكمالية والاحتكارية.
رابعاً: معالجة البطالة والفقر
– إطلاق مشاريع تشغيل
للشباب في قطاعات خدمية وزراعية.
– دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة عبر قروض ميسرة.
– ربط الرعاية الاجتماعية بالتدريب والتأهيل.
– توجيه الإنفاق نحو مشاريع إنتاجية.
خامساً: أزمة السكن والبنية التحتية
– تخصيص الأراضي الحكومية للبناء السكني الاقتصادي.
– معالجة العشوائيات عبر تخطيط حضري حديث.
– الشراكة مع الشركات الصينية وفق مبدأ النفط مقابل البناء، مع نقل التكنولوجيا وتشغيل الأيدي العاملة المحلية.
سادساً: تعظيم الإيرادات وتنويع الاقتصاد
– تطوير الزراعة والصناعات الغذائية والتحويلية.
– تفعيل القطاع الخاص عبر بيئة قانونية مستقرة ومكافحة الفساد.
– ضبط المنافذ الحدودية عبر الأتمتة والرقابة.
– استثمار الغاز المصاحب لتوليد الطاقة والصناعات البتروكيمياوية.
– تطوير السياحة الدينية والآثارية.
سابعاً: إصلاح النظام المصرفي والمالي
– تحديث البنوك وربطها بالمعايير الدولية.
– تعزيز الشمول المالي.
– تطوير أدوات التمويل الوطنية.
– مكافحة غسيل الأموال عبر أنظمة رقابة إلكترونية متقدمة.
ثامناً: التحول الرقمي والحوكمة الإلكترونية
– أتمتة الإجراءات الحكومية وربطها بمنصات شفافة.
– تعزيز الرقابة الإلكترونية على الإنفاق والجباية.
– اعتماد قواعد بيانات موحدة للضرائب والدعم الاجتماعي.
تاسعاً: التعليم والبحث العلمي
– ربط التعليم بسوق العمل.
– دعم الجامعات ومراكز البحث.
– الاستثمار في الابتكار والتكنولوجيا كرافعة طويلة الأمد للاقتصاد.
عاشراً: التنمية المستدامة والاقتصاد الأخضر
– الاستثمار في الطاقة المتجددة.
– تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري تدريجياً.
– ربط الإصلاح الاقتصادي بالبعد البيئي والصحي لضمان الاستدامة.
الخاتمة:
إن الإصلاح المالي والاقتصادي في العراق لا يتحقق بخفض رواتب الموظفين والمتقاعدين أو فرض ضرائب جديدة على مواطن يعاني من ضيق العيش وضعف الخدمات، بل يبدأ من الأعلى إلى الأسفل، عبر ترشيد الإنفاق، وإلغاء الامتيازات غير العادلة، وغلق أبواب الهدر، ومكافحة الفساد، وتنويع الاقتصاد، والتحول الرقمي، ودعم المواطن باعتباره أساس الاستقرار والتنمية.
العراق اليوم أمام خيار تاريخي: إما الاستمرار في الدوران داخل حلقة الأزمات، أو فتح صفحة جديدة من الإصلاح العادل، تُبنى فيها دولة حديثة تستمد قوتها من مواطنيها لا من استنزاف دخولهم.
الإصلاح ليس ترفاً سياسياً، بل شرط بقاء الدولة وكرامة المجتمع.


