المقدمة:
سيكولوجيا الهروب من المسؤولية
حين تضيق الخيارات أو تغيب الإرادة، تلجأ الدولة إلى القرار الأسهل: الجباية من جيب المواطن البسيط. قرار لا يحتاج إلى مواجهة شبكات نفوذ أو فتح ملفات فساد، بل يُنفَّذ على الفئة التي لا تملك أدوات ضغط ولا قدرة على الاعتراض.
الأزمة المالية ليست نقصاً في الموارد، بل نتيجة هدر محصّن بلا محاسبة. يُعلَن العجز في الخزينة، بينما تختفي أسبابه في عقود مبالغ فيها، وصرف غير رشيد، وامتيازات محمية. وعندما يحين وقت دفع الثمن، لا يُطالَب به من صنع الأزمة، بل من تحمّلها بصمت.
أولاً: منبع النزيف – هدر بلا محاسبة
قبل كل قرار بزيادة الضرائب أو تقليص الخدمات، هناك فجوة واسعة من الأموال المهدرة التي نادراً ما تُمسّ. تقارير المراقبين تكشف أنماطاً متكررة لهذا النزيف:
– الصرف بلا غاية: إنفاق على خدمات أو مشتريات لا تستند إلى حاجة فعلية أو سند قانوني.
– عقود مبالغ فيها وضعف المتابعة: مشاريع متأخرة أو منجزة بجودة متدنية، لأن العقود أُبرمت بكلف تفوق قيمتها الحقيقية.
– امتيازات ورواتب غير مبررة: مخصصات عالية لشريحة ضيقة، بينما يُرفع شعار “ترشيد الإنفاق” عند الخدمات الأساسية.
– ضعف تحصيل الإيرادات الحقيقية: شركات كبرى وقطاعات محمية تُترك بلا مساءلة، فيتحول العبء نحو الحلقة الأضعف.
هذا النزيف يتراكم بصمت، حتى يصبح العجز ذريعة جاهزة لفرض أعباء جديدة.
ثانياً: الضحية الموروثة – منطق الحلول السهلة
حين يتجسد العجز، يبدأ البحث عن حلول وفق منطق انتقائي:
– عدالة معكوسة: التقشف يُطبَّق من الأسفل إلى الأعلى.
تُمسّ دخول محدودي الدخل، بينما تبقى الامتيازات العليا خطوطاً حمراء.
– تحميل المواطن المسؤولية: يُقدَّم المواطن وكأنه سبب الأزمة بسبب استهلاكه للسلع والخدمات بينما السياسات هي التي رفعت الكلفة وخفّضت الجودة.
– مسكنات مؤقتة: ضرائب ورسوم جديدة، بينما يُؤجَّل الإصلاح الحقيقي.
هكذا تتحول الجباية من أداة تمويل عادلة إلى وسيلة لتغطية أخطاء لم يُحاسَب أصحابها.
ثالثاً: الكلفة الأعمق – من دولة حامية إلى دولة جابية
ما لا تعكسه جداول الموازنة هو الثمن الاجتماعي. حين يُغلق المواطن دفتر حساباته على عجز دائم، بينما تُفتح دفاتر المسؤولين على امتيازات جديدة، تتآكل الثقة تدريجياً.
في وعي المواطن، تتحول الدولة من دولة حامية إلى دولة جابية؛ من مظلة أمان يُفترض أن تصون حقوقه، إلى آلة جباية تستنزف دخله وتحمّله أخطاء لم يصنعها. هذه الخسارة غير المادية هي الأخطر، لأنها تُنتج شرخاً عميقاً في العلاقة بين الدولة والمجتمع، حيث يصبح الانتماء عبئاً، والالتزام شعوراً بالخسارة لا بالمشاركة.
لماذا يتكرر السيناريو؟
الجواب بسيط وقاسٍ: محاسبة الهدر مكلفة سياسياً، بينما الجباية سهلة إدارياً. الأولى تتطلب مواجهة مصالح راسخة، والثانية لا تحتاج سوى إلى قرار يُنفَّذ على من لا يملكون الاعتراض. ما دامت هذه المعادلة قائمة، سيظل السيناريو يتكرر: تُرتكب الأخطاء في أعلى الهرم، وتُسدَّد فاتورتها في أدنى السلم الاجتماعي.
من منطق الجباية إلى منطق العدالة – مقترحات للحل
-
لا حصانة أمام المال العام
– عقوبات رادعة بحق من يثبت إهداره للمال العام.
– استقلالية أجهزة الرقابة وحمايتها من الضغوط.
– شفافية مالية إلزامية عبر نشر تفاصيل الإنفاق.
-
الإنفاق للإنسان لا للامتياز
– مراجعة شاملة للامتيازات وإخضاعها لمعايير واضحة.
– تحويل الدعم مباشرة للفئات المستحقة.
– وقف المشاريع غير المجدية أو المتعثرة.
- المجتمع رقيب لا متفرج
– حماية المبلّغين عن الفساد بقوانين فعّالة.
– تفعيل دور المجتمع المدني في الرقابة.
– تبسيط الموازنة ونشر معلومات الإنفاق لتعزيز الرقابة الشعبية.
الخاتمة:
الدولة التي تبحث عن مواردها في جيوب فقرائها، قبل أن تبحث عنها في مواطن الهدر والامتيازات، تضع نفسها على طريق الانهيار الاجتماعي. الإصلاح يبدأ حين يصبح المال العام أمانة لا غنيمة، وحين تُوزَّع الأعباء بعدالة لا بانتقائية.
> الفقراء ليسوا خزينة طوارئ… بل أساس الشرعية.


