في خضم الأجواء الاقتصادية الصعبة التي يعيشها العراق، ظهرت تصريحات لبعض المسؤولين والشخصيات تحمل رسالة تقشفية صارمة، داعية إلى تخفيض رواتب الموظفين الحكوميين كحل ضروري لمواجهة التحديات المالية التي تعصف بالبلاد. لكن هذه الدعوة، رغم منطقيتها الاقتصادية الظاهري، أثارت عاصفة من التساؤلات والاستغراب عندما غابت عنها أي إشارة مقابلة لتخفيض رواتب وامتيازات النواب والوزراء والرئاسات الثلاث، تلك الفئة التي تنعم بمخصصات مالية فاحشة تثقل كاهل الموازنة العامة.
ما يلفت النظر في تصريحات بعض المسؤولين هو هذا الانزياح الغريب عن مبدأ العدالة الاجتماعية الذي يفترض أن يكون حجر الأساس في أي إجراء تقشفي. فكيف يمكن تبرير مطالبة الموظف البسيط الذي بالكاد يعيل أسرته بقبول تخفيض راتبه، بينما يظل النائب محتفظاً بمخصصاته التي قد تصل إلى عشرات أضعاف راتب ذلك الموظف؟ كيف تُقنع العامل في مستشفى أو مدرسة بأن يشارك في حملة التقشف بينما تبقى الامتيازات الضخمة للطبقة السياسية بمنأى عن أي مساءلة أو مراجعة؟
الحقيقة أن هذا النهج يكرس ازدواجية خطيرة في المعايير، ويعيد إنتاج منطق التمييز الطبقي الذي طالما عانت منه المجتمعات. فالتقشف الحقيقي يجب أن يبدأ من القمة، من تلك الامتيازات الاستثنائية التي تمنح للطبقة الحاكمة، من سيارات الرئاسة الفاخرة وحاشيات الوزراء الكبيرة، ومن المخصصات السرية وغير المعلنة التي تذهب إلى صناع القرار. عندما يبدأ النواب والوزراء بتخفيض رواتبهم طوعاً، وعندما تلغى نصف امتيازاتهم غير الضرورية، وقتها فقط يمكن الحديث عن تضحيات جماعية يستحق أن يشارك فيها الجميع.
الخطورة في دعوات التقشف أحادية الاتجاه أنها لا تؤدي فقط إلى مزيد من الإجحاف الاجتماعي، بل تفقد الحكومة مصداقيتها الأخلاقية في قيادة عملية الإصلاح. كيف تستطيع حكومة أن تطلب الثقة والتضحية من شعب تراه يخسر قدرته الشرائية يوماً بعد يوم، بينما ترفض هي المساس بامتيازاتها؟ الأدهى من ذلك أن هذه الدعوات تخلق شرخاً عميقاً بين الحاكم والمحكوم، وتزيد من مشاعر السخط واللامبالاة لدى المواطن الذي يرى أن التضحيات تطلب منه دائماً بينما تتراكم الثروات والامتيازات في الأعلى.
النقطة الجوهرية التي تغيب عن هذه المعادلة هي أن التقشف ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لإعادة توزيع الموارد بشكل أكثر عدالة وكفاءة. ولكن عندما يتحول إلى أداة للحفاظ على امتيازات النخبة على حساب عامة الشعب، فإنه يفقد مبرره الأخلاقي والسياسي. العراق بحاجة إلى مراجعة شاملة لنظام الرواتب والمخصصات، تبدأ من أعلى الهرم وتنزل إلى قاعدته، وفق معايير واضحة وشفافة تأخذ في الاعتبار طبيعة العمل والمسؤولية والقدرة المالية للدولة.
ما لم تكن دعوات التقشف شاملة وعادلة، وما لم تكن الامتيازات الاستثنائية للطبقة السياسية على طاولة المراجعة، فإن أي حديث عن تضحيات سيبقى كلاماً في الهواء، وستفقد الحكومة شرعيتها الأخلاقية في قيادة أي إصلاح حقيقي. المواطن العراقي ليس ضد التضحيات، بل هو ضد التضحيات غير العادلة، وهو يرفض أن يكون دائماً الطرف الذي يدفع الثمن بينما تستمتع النخبة بثمار السلطة والامتيازات. العدالة يجب أن تبدأ من الأعلى، فالتقشف الذي لا يمس القمة هو استمرار للظلم وليس بداية للإصلاح.


