احتجاجات بابل: صرخة شعب ضدّ فساد المحاصصة وغياب الكفاءة

احتجاجات بابل: صرخة شعب ضدّ فساد المحاصصة وغياب الكفاءة:
يتناول المقال احتجاجات بابل كصرخة شعبية ضد فساد المحاصصة السياسية في تعيين المحافظين مع دعوة لتعيين شخصيات نزيهة وكفؤة بناءً على الإرادة الشعبية. يسلط الضوء على فشل النظام السياسي العراقي في تقديم خدمات فعالة ويعزز الوعي السياسي الشعبي...

تشهد محافظة بابل العراقية هذه الأيام حراكاً شعبياً فريداً من نوعه، يطالب بتنصيب النائب السابق أمير المعموري محافظاً للمحافظة. هذه المطالبة، التي تكرّرت في جلسات ونقاشات شعبية نظمها ناشطون مدنيون، ليست حدثاً عابراً بل هي تعبير عن أزمة عميقة في آليات الحكم المحلي في العراق. تكمن المفارقة في أن السيد المعموري لم يرشح نفسه للانتخابات البرلمانية في نوفمبر تشرين الثاني 2025، مما يضع مطالب الجماهير في مواجهة مباشرة مع النظام التقليدي “للتوافقات السياسية ” الحزبية الذي يجرد المواطن من حقه في اختيار من يحكمه مباشرة.

في الواقع، تكشف هذه الحادثة النقاب عن الخلل البنيوي الأكبر: نظام المحاصصة السياسية في تعيين المحافظين. فبينما ينتخب المواطنون مجالس المحافظات، تُختطف عملية اختيار المحافظ نفسه في غرف مغلقة، حيث تتفق الكتل السياسية الكبرى على توزيع المناصب وفقاً لقوتها النيابية والنفوذ، بعيداً عن معايير الكفاءة والنزاهة والرغبة الشعبية. لقد تحوّل منصب المحافظ إلى غنيمة تتنافس عليها الكتل، كما هو الحالي في بابل. هذا النظام ينتج حكماً محلياً ضعيفاً، تذوب مسؤوليته بين ولاءات حزبية ضيقة وغالباً ما يكون معيناً لخدمة مصالح فئة بعينها على حساب المصلحة العامة.

النتيجة الطبيعية لهذا النظام الفاسد هي ما تعانيه بابل ومحافظات عراقية أخرى: تدهور خدماتي ومالي حاد. فالمحافظ الذي يأتي بقرار من قيادة حزبية في بغداد، يشعر بمسؤولية أكبر تجاه من عيّنه وليس تجاه المواطنين الذين يعاني العديد منهم من تأخر الرواتب وانهيار الخدمات الأساسية في ظل أزمة وطنية متراكمة. تتحول المحافظة إلى إقطاعية إدارية مهملة، حيث تُهدر مليارات الدنانير على مشاريع وهمية أو تحويلات مالية مشبوهة، بينما يفتقد المواطن لأبسط مقومات الحياة الكريمة. إنه نموذج مصغر للأزمة السياسية والمالية التي يعيشها العراق، والتي يُعاد “تدويرها” من عام إلى آخر دون حلول جذرية.

ما حدث في بابل هو رفض شعبي سلمي وواعٍ لهذه الآلية. لقد خرج الناس للمطالبة بـ “شخصية وطنية تمثل نبض الشارع”، وفق تعبير الناشطين. إنها محاولة لاستعادة الشرعية الشعبية كمصدر لتولي المناصب، وتأكيد على أن كفاءة المحافظ ونزاهته وشخصيته المقبولة جماهيرياً هي المعايير الوحيدة المقبولة. إنها رسالة واضحة من أهل بابل، ومن ورائهم كل العراقيين المتضررين من المحاصصة، مفادها أن شرعية الحاكم يجب أن تستمد من رضا المحكوم وثقته، وليس من مقايضة سياسية بعيدة في العاصمة.

ختاماً، تمثل تظاهرات وجلسات بابل الشعبية نقلة نوعية في الوعي السياسي العراقي. إنها إعلان بأن عصر الصمت على فساد المحاصصة وآثاره الكارثية على الخدمات قد ولى. قد تكون هذه الحركة نموذجاً يحتذى به في محافظات أخرى تعاني نفس المصير، داعية إلى مراجعة جذرية لدستور الحكم المحلي، بحيث يعود الحق للشعب في اختيار قادته المباشرين، وتكون الكفاءة هي مقياس التعيين، مما يمهد الطريق فعلياً لإنقاذ المحافظات من التدهور وبناء حكم رشيد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *