المحاصصة السياسية في العراق هي نظام توزيع للمناصب والموارد بين الكتل والأحزاب السياسية الفائزة في الانتخابات، على أساس طائفي أو قومي أو حزبي ضيق، تحت شعار إدارة البلاد من قبل الجميع. نشأ هذا النظام بشكل أساسي بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، حيث أسست سلطة الائتلاف المؤقتة بقيادة بول بريمر أولى لبناته من خلال مجلس الحكم الانتقالي الذي وزع المناصب على أساس طائفي، وذلك كمرحلة انتقالية مفترضة تهدف إلى إشراك المكونات المختلفة. لكن هذا النظام لم يبقَ إجراءً مرحلياً، بل تحول إلى سمة ثابتة للحكم في العراق، تمركزت فيه السلطة في حكومات ائتلافية واسعة تضم معظم الكتل الفاعلة. هذه الكتل تلجأ إلى أسلوب “خذ وأعط” لتشكيل الحكومات وتوزيع المناصب الوزارية والإدارية، وذلك لغياب أي كتلة سياسية تمتلك الأغلبية الكافية للحكم منفردة، وتشظي المشهد السياسي داخل كل مكون طائفي أو قومي نفسه.
يتم توزيع المناصب في ظل نظام المحاصصة العراقي عبر آليات معقدة تحكمها التوازنات السياسية والطائفية والقومية. فالحكومات تتشكل عبر مفاوضات طويلة بين الكتل الرئيسية، يتم فيها تقسيم حصص الوزارات والمناصب الرئاسية العليا (رئاسة الجمهورية، ورئاسة الوزراء، ورئاسة البرلمان) بشكل تقليدي بين المكونات الشيعية والسنية والكردية. ولا يقتصر التوزيع على المناصب السياسية العليا فحسب، بل يمتد ليشمل التعيينات في الوظائف العامة والهيئات المستقلة، حيث تُوزع الحصص بشكل متناسب بين الأحزاب المكونة للكتل السياسية، مما أدى إلى تضخم حجم الحكومات واستحداث وزارات ونواب وزراء جُدد ليس لدواعٍ إدارية بل لاستيعاب المزيد من المحاصصات الحزبية. ويلاحظ أن معيار الكفاءة والخبرة كثيراً ما يُهمش في هذه المعادلة، حيث يصبح المنصب “وقفاً سياسياً” للحزب أو الزعيم، لا يحق للآخرين الاقتراب منه بغض النظر عن الجدارة.
بالنظر إلى التجارب العالمية، فإن نظام المحاصصة في العراق ليس بدعة سياسية منقطعة النظير، بل هو تطبيق مشوه لنموذج ديمقراطي معترف به عالمياً يُعرف بـ الديمقراطية التوافقية أو التشاركية هذا النموذج مصمم خصيصاً للمجتمعات العميقة الانقسام، ويعتمد على تقاسم السلطة بين النخب من مختلف المكونات عبر أربع ركائز رئيسية: الائتلاف الكبير حيث تشارك جميع المكونات الرئيسية في الحكومة، وحق النقض (الفيتو) للأقلية لحماية مصالحها الحيوية، والتمثيل النسبي في المؤسسات الحكومية وتوزيع الموارد، والحكم الذاتي للمجموعات في شؤونها الخاصة. نجح هذا النموذج في تحقيق الاستقرار وإنهاء الصراع في دول مثل سويسرا وبلجيكا ولبنان (بعد الحرب الأهلية) وشمال أيرلندا وجنوب أفريقيا بعد الفصل العنصري. ومع ذلك، فإن التجربة العراقية تنحرف عن هذا النموذج النظري في نقاط جوهرية، مما يجعلها أقرب إلى “لعبة ديمقراطية” مُشوهة. فالاختلاف الجوهري يكمن في أن الديمقراطية التوافقية الناجحة تُبنى على توافق النخب من أجل الصالح العام واستقرار الدولة، بينما تحولت في العراق إلى محاصصة طائفية وحزبية ضيقة تقدم مصلحة الزعيم أو الحزب أو الطائفة على المصلحة الوطنية.
هذا التحول في العراق أدى إلى تداعيات خطيرة، منها تعطيل المسؤولية السياسية حيث يصعب محاسبة طرف معين في حكومة تضم الجميع، وإضعاف قدرة الدولة على اتخاذ القرارات الجريئة بسبب اعتمادها على موافقة جميع الأطراف، وتفشي الفساد حيث تُستخدم الوزارات والمؤسسات كمناطق نفوذ لتمويل الشبكات الحزبية. كما قضت المحاصصة على فكرة المعارضة البرلمانية الفاعلة، لأن جميع الأحزاب الكبيرة تشارك في الحكومة، مما أفقد النظام آلية الرقابة والمحاسبة الأساسية في أي ديمقراطية. باختصار، المحاصصة السياسية في العراق هي تطبيق فاسد وناقص لنموذج ديمقراطي توافقي عالمي. لقد تحولت من أداة افتراضية لتحقيق الاستقرار في مجتمع منقسم إلى لعبة سياسية تكرس الانقسام وتُضعف الدولة وتغذي الفساد. إنها ليست مجرد “بدعة سياسية” محلية، بل هي حالة من الانحراف عن نموذج نظري سليم، بسبب فساد النخب وغياب الإرادة الوطنية الحقيقية لبناء دولة المؤسسات التي تحكمها الكفاءة والقانون وليس الانتماء الطائفي أو الحزبي.


