من التعريفات المعاصرة للفلسفة التي اراها قريبة جداً من لغة العصر وروحه ، ما تناوله الدكتور حسام الدين الآلوسي في كتابه ( دراسات في الفكر الفلسفي الإسلامي ) حيث يقول ( تعني الفلسفة ، حسب اشمل تعريف لها واكثره قبولاً عندنا : انها نظرة الى العالم ، وشكل من اشكال معرفة الواقع ، الذي هو الإنسان والمجتمع والطبيعة ، وهي موقف يعكس الوعي الاجتماعي الى جانب الاشكال الأخرى التي يتمظهر فيها هذا الوعي الإجتماعي ، وباعتبارها موقفاً إجتماعياً فهي ذات بعد ايديولوجي يعبر عن المصالح المادية للطبقات المختلفة . وللتبسيط نقول ان الفلسفة موقف ، سواء كان هذا الموقف عن إدراك ووعي او لم يكن ، فموقف الإنسان الأول الذي يقدم القرابين للآلهة ويعتقد بوجود ارواح معينة ، وحياة اخرى ، هو موقف فلسفي بهذا المعنى او ذاك ، وكذلك موقف المؤمن العادي الذي لم يتجاوز مرحلة “التقليد” في اعتقاداته خالية من البراهين والأدلة العقلية ، هو موقف فلسفي بهذا المعنى او ذاك … )
من خلال التعريف الذي قدّمه الدكتور حسام الدين الآلوسي للفلسفة ، وفي ضوء الواقع الحياتي الذي نعيشه اليوم في ظل التطور العلمي والتقني المتسارع ، حيث عصر التقنية الرقمية ، والشاشات الملونة ، ومشاريع الذكاء الإصطناعي ، ومستقبل التطبيقات الذكية ، التي باتت بشكل او بآخر ضرورة حياتية ملحة ، لا غنى لديمومة الحياة عن استخدامها .، يذهب المشتغلون في مشاريع الذكاء الاصطنا عي الى ان العمل جار على تطوير هذه التطبيقات الذكية ، كي تخاطب حاجات النفس البشرية وميولها عند مستخدميها ، بحيث يجد المستخدم اجابات سريعة ومفصلة لكل اسئلته التي سيوجهها للذكاء الاصطناعي في كل مجالات حياته وشؤونه الخاصة.
نعتقد ان هذا الجانب الإيجابي من التطور العلمي التقني ، يمكنه ان ينطوي على خطر يكمن في اعتياد مستخدم التطبيقات الذكية على ادمان حضورها المتواصل في حياته الحد الذي لا يجد معه ضرورة او حاجة الى التفكير في شؤونه وفيما حوله من شؤون الحياة في محيطه وفي كل العالم ، ما دامت تطبيقات الذكاء الاصطناعي مستعدة لتقديم الحلول المقبولة . ونشير هنا الى ان الذكاء الاصطناعي عندما يقدم حلولاً مقبولة ، فهذا لا يعني بالضرورة انها حلول منطقية ، فربما تكون حلولا تتقاطع مع منظومة القيم والاخلاق والدين . لذا نعتقد ان ثمة خطر يمكنه ان يهدّد سلامة استمرار واستقرار الحياة الانسانية ، وقد يشكل هذا الخطر تهديداً حقيقياً لمنظومة القيم الحضارية للانسانية ، من شأن هذا الخطر ان يطال الإبداع كميزة انسانية بحتة ، بتهديده بالتحول الى تقليد وتطبيق اجتماعي تقترحه وتقرره التقنية الرقيمة الذكية لمستخدمها ، فإذا تعطل أو أهمل الجانب الإبداعي في الانسان ، اصبح الانسان كتلة بشرية ، هو اقرب الى الآلة الذكية منه الى الإنسان الحي المبدع المفكر . واذا اصبح الانسان كتلة بشرية ، تحوّل المجتمع الى تجمعات بشرية فاقدة للانسانية او تفتقر اليها ، عندها تستحيل الحياة الى روتين لا بد منه ، والاستمرار في هذه الحياة يصبح مرهوناً بدرجة تفاعل تلك الكتلة البشرية مع منتجات شركات التقنية الرقمية ، فالتسوق سيضحى ميزة حياتية ، وستصبح كثرة الاستهلاك مؤشراً حياتياً . عندها سيمكن تعليب المشاعر وتسطيح العقول ، وفرض الفردية كحل للتخلص من الحاح الضمير على تفعيل الشعور بالمسؤولية . من كل هذا نجد اننا في حاجة ماسة الى علم وضعي جديد يمكنه ان يحول دون تفاقم الأمور الى ما تحمله الرؤى الواقعية والمستقبلية الينا ، وهو ما نحاول ان نقدّم له من خلال فكرة تقوم على صياغة علاقة علمية بين الفلسفة والثقافة والانثروبولوجيا في سياق تكنلوجي .


