احتفاء اليونسكو بكتاب ” الأسس المنطقية للاستقراء ” بين إحياء الذكر والحاجة الى إعادة التفكير بالفكر

احتفاء اليونسكو بكتاب " الأسس المنطقية للاستقراء " بين إحياء الذكر والحاجة الى إعادة التفكير بالفكر
يدعو النص إلى إعادة التفكير في الفكر الفلسفي والمنطقي للشهيد الصدر لمواجهة تحديات عصر الذكاء الاصطناعي، مؤكداً أن الإنسان بحاجة لتجديد فكره وعدم الاستسلام لهيمنة الآلة، مع الاستفادة من تراث المفكرين الكبار...

إعلان منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ( اليونسكو ) عزمها على الاحتفاء بكتاب ( الأسس المنطقية للإستقراء ) للمفكر العراقي الشهيد سماحة السيد محمد باقر الصدر رضوان الله عليه ، في برنامج الاحتفاء بالذكريات السنوية المئوية . يأتي بعد مرور خمسين عاماً على صدور هذا الكتاب في عام 1971م ، ويأتي هذا الإعلان في وقت نحن احوج ما نكون فيه الى إعادة التفكير بالفكر نفسه ، كما قال الفيلسوف الفرنسي إدغار موران  المولود عام 1921م الذي يعد من الفلاسفة والمفكرين البارزين في القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين ، لأن ازمتنا كما يقول ( هي ازمة فكر قبل  ان تكون ازمة واقع ) .

حركة الشهيد الصدر الفكرية والثقافية

ارتبط تواصل واستمرار حضور ذكر الشهيد السعيد محمد باقر الصدر رضوان الله تعالى عليه في ذاكرة ثقافة المجتمع بشكل عام ،عبر بعدي حياته الديني والسياسي في عمر المجتمع العراقي خصوصاً ، وفي عمر المجتمع الاسلامي عموماً  حيث الأحداث التي عاشها الناس في فترة كانت قوة السلطة تصادر كل حرية ، وكانت تخاف من كل كلمة يمكنها ان توقظ وعي الناس  وتلفت انتباههم الى الفكر كونه اول حق عليهم المطالبة به كما قال الفيلسوف الفرنسي فولتير ( حرية الفكر هي حق الانسان الأول ) ، وهو ما نجده في مسار حركة الشهيد الصدر الفكرية والثقافية ، فقد جمع بين التحليل الفلسفي والمنهج العلمي والتناول الموضوعي للقضايا ذات العلاقة المباشرة بحياة الناس وواقعهم الذي كان مأزوماً آنذاك مضافاً اليها الالتزام الاخلاقي الرسالي الذي عرف به رضوان الله تعالى عليه . يقول الشهيد الصدر في ص 15 من كتابه ( الاسس المنطقية للاستقراء) ( الاستقراء ليس طريقاً ناقصاً في ذاته ، وانما هو طريق يكتسب قيمته المنطقية من ربطه بالواقع الموضوعي الذي يتحرك فيه الانسان ، فهو انعكاس لتجربة الانسان في الكون ، لا مجرد صورة عقلية متحررة من التجربة) ، فاذا كان واقع تلك الأيام التي حكمت على الشهيد الصدر بالموت على يد اولئك المأزومين والمأفونين في 1980م ، فإن الواقع المعاصر اليوم في ظل التطور التقني المتسارع وعصر الآلات الذكية يجعلنا في حاجة ماسة الى فكر السيد الشهيد كي نعيد التفكير بفكرنا المعاصر ، لأننا نعيش اليوم فضاءً من الحرية لم يكن متاحاً من قبل ، ومع هذا فإننا لا نشعر بأن هذا الفضاء الحر كافٍ لتهيئة جو مناسب للفكر الانساني ، ذلك الفكر الذي يموت في اجواء الخوف كما قال الشهيد المفكر علي شريعتي .

الأسس المنطقية للاستقراء

ان القلق والخوف الذي نعيشه متزامناً مع دخولنا عصر الآلات الذكية وهو يمضي متسارعاً صوب مستقبل يراه بعض المشتغلين بتقنية الذكاء الاصطناعي انه مستقبل قد يقضي على انسانية الانسان ، وانه واقع سيتحكم بحياة الفرد وبقدرته على صناعة قراره ، وهذا ما قد يجعل تفكيرنا مرهوناً الى حد ما بظروف وشروط قد لا تكون باعثة على النهضة بقدر ما تكون مقصورة على الاحتمال الذي يراه السيد الشهيد الصدر علماً ناقصاً في قوله  في ص 104 من كتابه ( الأسس المنطقية للاستقراء ): (الاحتمال ليس جهلاً بل هو علم ناقص وهو الشكل الطبيعي للمعرفة البشرية ما دامت تستند الى التجربة ، فكل علم انساني هو استقرائي في جوهره ، احتمالي في نتيجته ، واقعي في غايته ) وتتضح حاجتنا الى اعادة التفكير في عصرنا الحالي من مشكلات الربط بين التراث والمعاصرة ، إذ ان الثقافة المعاصرة لم توفق لحد الآن الى ربط تلك العلاقة التي تطرق اليها الاسيد الشهيد في قوله ( لأن العلاقة بين الماضي والمستقبل لا تستمد يقينها من التكرار بل من الأساس الواقعي الذي يربط الحوادث بعضها ببعض ) ص280 من كتاب ( الأسس المنطقية للاستقراء) لذا يعرض السيد الشهيد منهجاً يربط بين الواقع المحلي للفرد والمجتمع وبين الواقع العالمي في فكرة موضوعية تقوم على الإيمان بالله كأساس ميتافيزيقي (ص319).

وتعتمد على الاستقراء للربط بين العقل والتجربة ( والاستقراء هو الجسر الذي يصل بين الضرورة والممكن ليقيم صرح العلم الانساني ) ص187. من خلال هذا العطاء الفكري المميز للسيد الشهيد الصدر وفي ضوء هذا الاستذكار العالمي المميز ، الذي يستوجب منا الإشادة بجهود القائمين والعاملين عليه ، ننطلق في تبيان حاجتنا الضرورية الى إعادة الفتكير من منطلق انساني أخلاقي حر ، لا بالمعنى الفضفاض لمفهوم الحرية التي تشيعها مواقع التواصل الاجتماعي ، ولا بمعنى الحرية الفكرية التي يراها بعضهم مببراً لقول أي شيء ، ولا بمعنى الاخلاق التي يتصورها بعضهم ان يتصرف كيفما يريد ما دام لا يضر بغيره او لا يسيء الى غيره اساءة مادية مباشرة تلحق به الضرر .

اننا بحاجة الى صياغة فكرة جديدة مستوحاة من التاريخ الانساني الحافل بعطاءات مفكرين كالسيد الشهيد الصدر ، لكي نعطي لحاضرنا معنى قادر على رسم ملامح واضحة للمستقبل ، ومن بين السبل الممكنة في هذا الصدد هو تقديم فكر السيد الشهيد الصدر الى الناس الذين لا يزالون يعيشون حضور ذكرى السيد الشهيد لتعلقها بالبعيدن الديني والسياسي ، فمن خلال هذين البعدين المهمين في حياة كل شخص يمكننا ان نعدّ قاعدة قوية للعمل الجماعي الذي يسمح ببناء نظام اجتماعي متمكن ثقافياً ، وهو ما نحتاجه في عصر الذكاء الاصطناعي لمواكبة المستجدات ومواجهة التحديات والمخاوف التي تنبأ بها بعض المختصين بالمستقبل ، التي منها توجيه التفكير ومنح العقل اجازة مفتوحة ، او اعفائه من التفكير بوجود آلات ذكية وتطبيقات ذكية يجري تطويرها باستمرار كي تجيب عن كل تساؤلات المستخدمين أياً كانت ، وهذا من اخطر ما يمكن ان تواجهه ثقافتنا المعاصرة ، فإذا ما استغنى الفرد عن التفكير ، بعد ان يطمئن الى وجود من ينوب عنه ، او من يكفيه مهمة التفكير ، كالذكاء الاصطناعي عبر تطبيقات مثل ( جات جي بي تي ) فإنه سيكون مستعداً من الناحية النفسية الى تقبل اي توجيه تحركه باتجاهه الآلة الذكية ، وتأتي خطورة ذلك في الابتعاد اللاشعوري للانسان عن انسانيته  وتوجهه صوب المادية البحتة ، واذا ما اصيب الانسان بذلك اضطربت منظومته الحسية واصبح الى الاندماج بالآلة اقرب منه الى اعادة التفكير بواقعه لإعادة صياغته من جديد . لا يزال معنا متسع من الوقت ، وفي ذكرى السيد الشهيد الصدر ، ومبادرة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة ، ما يحفز على ذلك ، فضلا عن وجود جهات ومراكز ابحاث فكرية كـ (مركز الشهيد الخامس) ، تعيش المسؤولية تجاه انسنة الوجود البشري في عصر الآلة الذكية ، وهي جهات تعمل جاهدة على منح الفكرة الحية الموضوعية حضوراً حياً في واقعنا اليوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *