حينما كان قيصر روما (يوليوس) يدخل قاعة القصر لم يكن يدخل رجلاً عادياً ، بل كان يدخل رمزاً للهيبة والسلطة ، فكان التصفيق يملأ المكان والوجوه تبتسم والعيون تتسابق لتبدو أكثر ولاءً من غيرها حتى مجلس الشيوخ الذي يفترض أنه حارساً للجمهورية الذي يقف له احتراماً ، غير أن هذا المشهد الباذخ كان يخفي خلفه حقيقة أكثر قسوة (فالخناجر الباردة كانت تنتظر لحظة الصمت المناسبة) فالتصفيق كما علّمنا التاريخ لا يمنع الطعن ، بل أحياناً يغطي صوت احتكاك الحديد بالنية .
اقترب كاسيوس وكل خنجر كان له صوتهُ الخاص (صوته الذي لا يسمعه إلا من تعوّد سماعه) ومع كل طعنة لم يكن القيصر يبحث عن النجاة بجسده من شدة الطعنات بقدر ما كان يبحث عن معنى آخر من اخلاص وولاء أعضاء مجلس الشيوخ، وحين إلتفت يميناً رأى (بروتوس) صديقه الحميم واقفاً أمام عينه، لكن المشهد بدا وكأنه يسأل صديقه الحميم والمقرب (أ أنت أيضاً؟) لكن الإجابة جاءت بالفعل لا بالكلام ، وحين نُطقت العبارة الشهيرة: «حتى أنت يا بروتوس» لم يكن الصمت الذي عمّ القصر حينها كان صمت موت رجلٍ يثق بشدة ، بل صمت سقوط وهمٍ كبير اسمه الولاء والاخلاص!!.
هذه الحكاية على الرغم من قِدمها لكنها تتكرر في كل عصر لكن بأسماءٍ جديدة وملابس مختلفة ، فالخيانة لا تحتاج زمناً طويلاً كي تنضج ، بل تحتاج ظرفاً مناسباً ومصلحة واضحة فالغريب أن التاريخ لا يعيد نفسه حرفياً فحسب، بل يعيد منطقه بوفاءٍ عجيب فتتبدل الوجوه حينها وتكثر الخناجر وقد لا نرى الدماء بأعيننا لكن آثارها تظهر في خراب الدول وتآكل الثقة وانكسار المعنى العام للسلطة .
ففي الواقع السياسي العراقي تبدو هذه القصة أقرب إلى يومياتنا، فالتناحرات الحزبية في كثير من الأحيان لا تُبنى على اختلاف البرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية أو على الرؤى الوطنية ، بل على سباقٍ محموم نحو المصلحة الشخصية.
هشاشة التحالفات السياسية العراقية
فالتحالفات تُعقد بسرعة التصفيق وتُفكّ بسرعة الطعن فحليف اليوم هو خصم الغد، وبعد غدٍ ضحية ويستمر المسلسل ، فالمبدأ هنا لا يحدد الاتجاه ، بل حجم الغنيمة المتوقعة من (مناصب تنفيذية وزراء أو مدراء عامون أو سفراء أو مشاريع اقتصادية، بل وصل الحال إلى مناصب متدنية إلى رئيس قسم وحتى مسؤول شعبة) والصراع الحالي لاختيار رئيس الوزراء القادم والكابينة الوزارية خير دليلٍ وشاهد .
كثير من السياسيين في العراق صعدوا على أكتاف التوافقات السياسية الهشة التي يحيط بها مديح إعلامي وتزكياتٍ حزبية وولاءات تبدو صلبة في الظاهر لكن كلما اقترب أحدهم من (القمة) ضاقت المسافة بين (ظهره والسكين) فالسلطة يا صديقي أينما كانت تظل وهماً جميلاً لكنه هش، خاصةً حين تُبنى هذه السلطة على المجاملات لا على الكفاءة والنزاهة المبنية على المصالح الشخصية لا على العقد الاجتماعي .
العروش السياسية لا تسقط دائماً بالضجيج فكثيراً ما تسقط بالصمت الذي يسبق الطعنة (صمت الحلفاء ، وصمت الجمهور، وصمت الضمير الجمعي) وفي العراق رأينا كيف تحولت الخلافات الداخلية إلى أدواتٍ لتعطيل مصالح الشعب، وكيف صار إسقاط الخصم أحياناً أهم من إنقاذ الدولة ، فالخنجر لم يعد فردياً كما في مجلس الشيوخ الروماني، بل صار جماعياً وتُشارك فيه الأحزاب حين تتقاطع مصالحها ثم تتنصل من الدماء وهي تشير إلى غيرها .
الدرس الذي يقدمه القيصر متأخراً لكنه واضحاً في نفس الوقت وهو أن الولاء لا يُقاس (بالتصفيق العالي) ولا (بعدد اللافتات) ولا (بحرارة الخطاب) ، بل الولاء الحقيقي يُقاس (بالمسافة التي تُبقي ظهرك آمناً من الطعن)!! ، وبالقدرة على تقديم المصلحة العامة على الحسابات الضيقة ، ومن دون هذا الفهم ستظل السياسة مسرحاً يُعاد فيه المشهد ذاته (تصفيقٌ في البداية وصمتٌ في النهاية وخناجر تبحث دائماً عن لحظتها المناسبة)!!.


