الجذور التاريخية لمطلب الإقليم
لم يكن مطلب إقامة إقليم البصرة نتاج ظرف سياسي عابر، ولا وليد مزاج احتجاجي طارئ، بل هو مسار تاريخي ممتد، تشكل عبر عقود من الإحساس بالغبن، وتكريس المركزية، وتهميش المحافظة التي شكّلت ولا تزال العمود الفقري لاقتصاد الدولة العراقية. قبل عام 2003، طُرحت أفكار متعددة لمنح البصرة وضعاً إدارياً خاصاً ينسجم مع ثقلها الجغرافي والاقتصادي، إلا أن الدولة آنذاك، بطبيعتها السلطوية، كانت ترى في أي تفويض محلي تهديداً مباشراً لهيمنة المركز، فتم وأد تلك الأفكار مبكراً.
ما بعد 2003: من حلم سياسي إلى حق دستوري
بعد 2003، ومع إقرار دستور 2005، دخل العراق طوراً جديداً نظرياً على الأقل. فقد كفل الدستور حق المحافظات في التحول إلى أقاليم عبر آليات قانونية واضحة، محولاً مطلب إقليم البصرة من حلم سياسي إلى حق دستوري صريح. ومع ذلك، اصطدمت محاولات تفعيله المتكررة في 2008 و2015 و2019 بجدار سياسي صلب، تمثل في غياب الإرادة الحقيقية، والتذرع بالعوائق المالية أو الإجرائية، بينما كان السبب الأعمق هو الخشية من فقدان السيطرة على الثروة والقرار.
الأزمات الخدمية كوقود للمطلب
الأزمات المتراكمة في البصرة لم تكن مجرد خلفية لهذا المطلب، بل كانت وقوده الحقيقي. تدهور الخدمات، تلوث المياه، البطالة، وانهيار البنى التحتية، مقابل ما تنتجه المحافظة من نفط وموانئ وإيرادات، خلق وعياً جمعياً بأن المشكلة بنيوية لا تُحل بالمسكنات. ومن هنا عاد الإقليم إلى الواجهة بوصفه خياراً عقلانياً لإدارة الموارد، لا شعاراً انفصالياً كما حاول البعض تصويره.
توظيف الأزمات والترندات في المشهد السياسي
في السياق الراهن، لا يمكن إغفال دور السلطة في استثمار الترندات والقضايا الحساسة لإلهاء الرأي العام. فكلما تصاعدت الضغوط السياسية أو الاقتصادية، أو تعثرت مسارات تشكيل الحكومة، أو طُرحت قرارات خطيرة تتعلق بالسلاح والمال العام، جرى ضخ قضايا مثيرة للجدل في الفضاء الإعلامي لتشتيت الانتباه. هذه الآلية لم تعد خافية، لكنها ما زالت فاعلة ما لم تُواجَه بوعي منظم. وهنا تكمن فرصة إقليم البصرة في تحويل أدوات الإلهاء نفسها إلى أدوات إحراج سياسي، عبر الإصرار على ربط كل أزمة وكل تنازل بسؤال واحد: لماذا لا يُحسم هذا الحق الدستوري؟
الإصرار الذكي وبناء الضغط التراكمي
الإصرار المحرج لا يعني الصراخ، بل التراكم الذكي. أن يبقى مطلب الإقليم حاضراً في ذروة الضجيج، وأن يتحول إلى اختبار دائم لصدقية القوى السياسية. على النشطاء والفاعلين المجتمعيين أن يدخلوا قلب اللعبة بدهاء، لا ليكونوا جزءاً من التلاعب، بل ليحولوا أنفسهم إلى لاعب أساسي يفرض إيقاعه. اللغة هنا يجب أن تكون قريبة من الناس، تمس مشاعرهم وكرامتهم، دون أن تفقد عمقها الاستراتيجي.
المكاسب الواقعية لإقامة إقليم البصرة
إن المكاسب المتوقعة من إقامة إقليم البصرة ليست شعارات مثالية، بل فوائد ملموسة: إدارة أكثر كفاءة للموارد، عدالة في توزيع الثروة، تحسين الخدمات، تعزيز الرقابة المحلية، وبناء جهاز إداري قادر على اتخاذ القرار بعيداً عن تعقيدات المركز. والأهم من ذلك، استعادة ثقة المواطن بقدرته على التأثير في مصيره ضمن إطار الدولة، لا خارجها.
الإقليم كاستحقاق دستوري لا منّة سياسية
إن المطالبة بإقليم البصرة هي مطالبة دستورية، تقدمية، تعكس فهماً ناضجاً للفيدرالية بوصفها أداة حكم رشيد. واليوم، تقع المسؤولية التاريخية على عاتق الوعي الشعبي المنظم لتحويل هذا الحق من ورقة سياسية قابلة للمساومة إلى واقع لا مناص منه. فحين يصبح الإقليم عنواناً دائماً للإحراج السياسي، لن تنفع الترندات، ولن تجدي الأزمات المصطنعة، وسيُفرض هذا الاستحقاق بوصفه نتيجة طبيعية لإرادة الناس، لا منّة من أحد على البصريين.


