أثناء سفري ليلًا نحو بغداد وضمن حدود محافظة ذي قار، كان الطريق السريع ممتداً أمامنا كشاهقٍ من العتمة، لا يقطعه سوى هدير الريح وظلال الليل . وفي ساعة متأخرة، تعطّلت سيارتنا فجأة، فتوقفنا على جانب طريق خالٍ يبعث في النفس رهبة العزلة . لحظات بدت طويلة، كأن الزمن نفسه توقّف معنا . وبينما كنا نحاول فهم ما جرى، وإذا بضوء يقترب شيئاً فشيئاً، حتى ظهر رجال الشرطة أمامنا كنسمة طمأنينة وسط ذلك الفراغ المخيف . اقتربوا بابتسامة إنسانية تشعّ بالاحترام، وبلطفٍ يسبق الكلمات.
لم يسألوا عمّن نكون أو من أين جئنا، بل سألوا فقط .. (( شلون نقدر نساعد ، بس كولوا ؟ )) مدّوا أيديهم قبل عيونهم، يعملون معنا بصبرٍ واهتمام كأن العطل عطلهم، وكأن الليل ليلهم، وكأن سلامتنا مسؤوليتهم الشخصية . ظلّوا واقفين معنا، ثابتين كالأخوة، لا يبارحون مكانهم حتى أُصلحت السيارة، وكأنهم جدار أمان يحرسنا من وحشة الطريق .
وحين انطلقت الحافلة، لم يتركوا خلفهم إلا أثر الطمأنينة .. ساروا امامنا لمسافة طويلة، يتأكدون أن كل شيء على ما يرام، وأننا نسير بأمان نحو وجهتنا . ذلك المشهد لم يكن مجرد موقف، بل شهادة حيّة على أن الإخلاص ما زال موجوداً، وأن الوفاء لا يزال ينبت في قلوب الرجال . هكذا تتجلى الإنسانية حين يكون رجل الدولة ابناً لهذا الوطن، وحين يشعر المواطن أن هناك من يحرسه بصدق قلب لا بواجب وظيفة.
هكذا يكون معنى الإنسان ، وهكذا يكون الوطن حين يلتقي الواجب بالرحمة.


