حين يلتقي الواجب بالرحمة

حين يلتقي الواجب بالرحمة
حادثة عطل السيارة في الطريق الليلي أظهرت إخلاص رجال الشرطة الذين تعاملوا بإنسانية ووفاء، مانحين الأمان والدعم دون تردد، في مشهد يجسّد التقاء الواجب بالرحمة ويؤكد بقاء القيم الحقيقية في المجتمع...

أثناء سفري ليلًا نحو بغداد وضمن حدود محافظة ذي قار، كان الطريق السريع ممتداً أمامنا كشاهقٍ من العتمة، لا يقطعه سوى هدير الريح وظلال الليل . وفي ساعة متأخرة، تعطّلت سيارتنا فجأة، فتوقفنا على جانب طريق خالٍ يبعث في النفس رهبة العزلة . لحظات بدت طويلة، كأن الزمن نفسه توقّف معنا . وبينما كنا نحاول فهم ما جرى، وإذا بضوء يقترب شيئاً فشيئاً، حتى ظهر رجال الشرطة أمامنا كنسمة طمأنينة وسط ذلك الفراغ المخيف . اقتربوا بابتسامة إنسانية تشعّ بالاحترام، وبلطفٍ يسبق الكلمات.

لم يسألوا عمّن نكون أو من أين جئنا، بل سألوا فقط .. (( شلون نقدر نساعد ، بس كولوا ؟ )) مدّوا أيديهم قبل عيونهم، يعملون معنا بصبرٍ واهتمام كأن العطل عطلهم، وكأن الليل ليلهم، وكأن سلامتنا مسؤوليتهم الشخصية . ظلّوا واقفين معنا، ثابتين كالأخوة، لا يبارحون مكانهم حتى أُصلحت السيارة، وكأنهم جدار أمان يحرسنا من وحشة الطريق .

وحين انطلقت الحافلة، لم يتركوا خلفهم إلا أثر الطمأنينة .. ساروا امامنا لمسافة طويلة، يتأكدون أن كل شيء على ما يرام، وأننا نسير بأمان نحو وجهتنا . ذلك المشهد لم يكن مجرد موقف، بل شهادة حيّة على أن الإخلاص ما زال موجوداً، وأن الوفاء لا يزال ينبت في قلوب الرجال . هكذا تتجلى الإنسانية حين يكون رجل الدولة ابناً لهذا الوطن، وحين يشعر المواطن أن هناك من يحرسه بصدق قلب لا بواجب وظيفة.

هكذا يكون معنى الإنسان ، وهكذا يكون الوطن حين يلتقي الواجب بالرحمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *