“موتيف” الموت في قصص عبد العزيز الجواري

"موتيف" الموت في قصص عبد العزيز الجواري
يفكّك النص موتيف الموت في قصص عبد العزيز الجواري بوصفه بنيةً دلاليةً وجمالية، تكشف العنف اليومي والموت المادي والرمزي في العراق، وتجعل السرد شهادةً أخلاقيةً على الخراب والذاكرة والكتابة بوصفها مسؤولية....

ليس ( الموتيف) سوى معجم سردي في كتابة القصة يتكرر في القصة لتقديم دلالة معينة ، فمثلا تكرار ظاهرة ( الظلام ) في نص معين هو ” موتيف” و هو للدلالة على أشياء كثيرة كالظلم والحزن والفقد وغيرها، لذلك نالت ظاهرة التکرار عناية فائقة لدى علمائنا العرب ونقادنا القدامى، واستنبطوا من خلالها المعاني الفنية، والقيم الدلالية؛ فالتكرار في الشعر والنثر الفني بمختلف أغراضهما له أبعاده الجمالية؛ ذلك لأن اللفظ أو المعنى المكرر في النص هو الأداة التي تركز الضوء على الصورة والمعنى المراد إيصالهما للمتلقي،ويطلّ علينا في الدراسات الحديثة تحت مصطلح (الموتيف)، ولقد حظي باهتمام واسع في النقد الأدبي الأوروبي باعتباره عنصرا فعالا في النقد، وتحليل النصوص الأدبية، ويعد الموتيف في الدراسات النقدية الحديثة من أهم المكونات لدراسة وتحليل النصوص الأدبية، وهو تكرار عنصر ما من العناصر المستخدمة لدى الأديب، فهو ظاهرة أدبية ترينا قيمة العمل الأدبي؛ إذ هو لا يهتم فقط بمجرد التكرار في السياق النصي، بل بما يتركه ذلك التكرار من أثر انفعالي في نفس المتلقي.

ويأتي ( الموتيف) أحيانا معبرا عن نفسه بصورة مباشرة كما في قصص عبد العزيز الجواري، في قصة الجواري”ليل بلا نهايات”:

ايام وسنين ولا طواحين تدور وكوابيس تلد بعضها والدروب اشبه شيء بمتاهة ضعنا بين ركام خرائبها…هذي الارض اضيق من خرم ابرة فلامكان يأوي بقايا اجسادنا التي تشرنقت جلودها كمومياءات متيبسة وسط مسوخ تقيأتها كهوف التاريخ لتحل بين ظهرانينا كلعنة ابدية ….

لبرهة هدأ كل شيء او هكذا تخيلت فلم تعد مسامعي تلتقط دوي الانفجارات وازيز الرصاص لكن ثمة ارتجاجات تشبه الهزات الارضية يصاحبها تطاير المباني لتتشظى كزجاج فتولد منها سحب دخان وغبار وسخام تتفاوت الوانه بين الاسود والابيض والبرتقالي هكذا وبكل بساطة تفتحت كل ابواب الجحيم فيما راح عقلي يبرمج اوهاما لأتوهمها يقينا واختلطت الصور والوجوه التي كانت نسخا مكررة وبعبثية كنت اعيد تشكيلها الى هيئات عرفتها يوما دون جدوى وبحركة لاإرادية مسست بعض اجزائي وتحسست النبض الذي غاب …حينها تأكدت ان الأشياء متوقفة واننا في حياة برزخية لااكثر.. )) هذه الفاتحة النصية هي التي تكشف مقولات القصة والتمهيد لأحداثها فهي بذلك” تكشف عن شعرية خاصة تشتغل على فاعلية التركيز العلامي وتبئيرها في منطقة حيوية مركزة ، وعلى اختزال الفاعلية الادبية للرموز في ظلال هذه المنطقة ، وضخها بطاقة اشعاع كثيفة تشتغل في منطقتها وتمتد الى أعلى حيث عتبة العنوان والى الأسفل حيث طبقات المتن النصي ” لذلك تعد عتبة الفاتحة النصية ، عتبة بنائية من عتبات الكتابة كونها تقرر مصير النص، فهنا يكون الموتيف ( الموت) معبرا عن نفسه، حيث الحياة تموت معنويا قبل أن يبدأ الموت الحقيقي، هي ارهاصات تحرير مدينة الموصل من ربقة داعش، أيام التطهير التي تشتغل على المسافة المائزة بين الموت والحياة، بحيث لم يعد ثمة أمل للأهالي ــ وأنا وعائلتي منهم ــ في التخلص من خنازير ذوي اللحى الشيطانية، كان الموت أقرب الينا من حبل الوريد،فالمباني تتطاير والقصف يشبه بعض أبواب جهنم عند فتحها، وعندما تتكرر ظاهرة الموت في القصة فإنها هنا تتحدث عن موت مادي لامعنوي فحسب:

ثم امر المساكين بالجثوعلى الارض جنب بعضهم وفي لحظات انتهى كل شيء وعلقت الجثث على اعمدة الكهرباء وتركت عبرة لمن تحدثه نفسه البحث عن الحرية ….

بالكاد اهتديت الى مكان تواجد اسرتي متوهما انني لازلت احيا ورغم الخواء الذي كان يفترس كل ذرة في كياني اقتنصت صورة صاحب الصندل واستجلبتها من بين خبايا ذاكرتي وبدأت اعيد تركيب ملامح ذلك المأفون الذي كان لايخطيء الرؤوس وهو يطلق النار عليها بحرفية متمرس ولايميز بين طفل وشاب وامرأة ورضيع فالكل كفار ومرتدون وماكانت صرخاتهم وتوسلاتهم وتضرعهم لتحرك فيه غير رغبة بالمزيد .. نعم تذكرته الان جيدا لقد كان احد طلابي ايام انتدبت للتدريس في اقصى المدينة قبل ان يفترشها الظلام .كان انطوائيا كتوما ولقبح ترك اثرا في وجهه كان يتجنب الاختلاط بأقرانه ولايعير كثير اهتمام لدروسه ثم انقطع عن الدوام فجأة وغاب عن الحي وعند سؤالي عنه قيل لي انه قد حل ضيفا عند ابناء العم سام بسجن بوكا ومرت الايام والسنين ليفاجأني اليوم وقد تحول الى ماكنة قتل رهيبة ..))

هنا تتطور دلالات الموتيف، وتتحول الى مشاهدة حية ترصد آلة القتل الداعشي الذي افترس مدينة الموصل، وأخذ يغتصب جمالها وروحها وعرقها الحضاري الأصيل، القتل صار عادة يومية ، أو واجب يومي يرتكبه الداعشيون وكأنه نوع من الوفاء لشيطانهم الأعظم الذي علمهم الذبح بدون سبب، فصار من الطبيعي أن يستوقف الداعشي أي انسان ثم يقتله ببرودة أعصاب بحجة انه دخن سيجارة أو يحمل موبايل، أو اتصل بأخيه في العاصمة للإطمئنان على صحته، ونرى القاص وقد فضح الدواعش بأنهم من شواذ المجتمع، لذلك يعبرون عن عقدهم النفسية بقتل الأبرياء بحجج واهية.

وفي قصة ( لحظة حداد) نرى القاص عبد العزيز الجواري يرصد الموت بطريقة مختلفة، حيث تكون الفاتحة النصية مبللة برائحة الجثث، والموت هوية عراقية بامتياز، يثير الموتيف تكرار ظاهرة دموية تعلق في ضمير العالم الآسن، العالم الذي تشيأن تحت ذرائع شتى لتمزيق وحدة هذا البلد الآمن الأمين:

((في دائرة الطب العدلي، اقترب أحدهم من أحد المستخدمين، وسأله باستغراب:

ما الذي جاء به الى هنا؟ كانت الثلاجات مملوءة بجثث تفوح منها رائح الموت

دورية من الجيش هي من أحضر الجثة.

لكن أين عثروا عليه؟!

أنت تعلم يا سيدي أن الشوارع والأرصفة وحتى المزابل تلد يوميا الكثير من الجثث المثقوبة بالرصاص والمقطوعة الرؤوس والأوصال.))

لاشك أن ظاهرة الموت التي انتشرت في العراق منذ الهجرة ومنذ الميلاد وحتى يومنا هذا، لم تكن لتشكل إلا عنوانا لأصالة هذا البلد المفعم بالتواريخ والمشبع بالتحديات التي يكللها المجد رغم آلة الموت التي لاتتوقف فيه إلا لتبدأ من جديد، فما من ” موتيف” يتمظهر فيه ويتجدد مع الزمن سوى ” موتيف الموت” لكن العراق لايموت، فهو مدجج بحاسة العنفوان، ومحاط بالمجد والعزم والصبر الجميل، وتكرر ظاهرة الموت التي تزداد فيه كأنها تشكل لازمة دموية من خلال نزفه اليومي الذي لايعرف التوقف، ولاشك أن السرد العراقي بحاجة أن يكون أكثر واقعية وأدق مصداقية، للتعبير عن واقعنا، وما تضربنا من موجات الحقد والغدر، ولكننا لانلين، فالكتابة مسؤولية وأمانة ووفاء.

من هنا يحسب للقاص عبد العزيز الجواري تخزية عوامل التعرية الدموية التي ضربتنا من كل اتجاه، فهو الى جانب عدد من كتاب القصة في العراق دخلوا الى منطقة الأسئلة الكبرى، وحفروا في خارطة الجرح العراقي، وأظهروا للعالم بشاعة التآمرات التي حاكها أعداء العراق لهذا البلد الآمن الأمين، لكنهم في النهاية أصابهم الخزي وسمت عاليا راية العراق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *