يتجدد الحديث بقوة عن مشروع “إقليم البصرة” كخطوة أولى في مسار دستوري طويل ومحفوف بالجدل السياسي والاجتماعي. يُطرح هذا الخيار بوصفه حقًا دستوريًا كفله الدستور العراقي لعام 2005، الذي نصّ في مواده من الماده 116 إلى الماده 121 على حق المحافظات في تكوين أقاليم، سواء من محافظة واحدة أو أكثر أو الانضمام إلى إقليم قائم، بما يتوافق مع طبيعة الدولة الاتحادية. وينظم القانون رقم 13 لسنة 2008 الإجراءات التنفيذية الدقيقة لهذه العملية، حيث يمكن تقديم الطلب إما من قبل ثلث أعضاء مجلس المحافظة، أو من خلال عُشر الناخبين فيها.
تبدأ المرحلة التمهيدية بجمع تواقيع 2% من الناخبين (أي أكثر من 32 ألف توقيع من إجمالي مليون و600 ألف ناخب) للتحقق من الجدية، ثم تليها مرحلة جمع تواقيع 10%، وبعد تدقيقها ترفع إلى مجلس الوزراء لتحديد موعد الاستفتاء العام الذي يجب أن يشارك فيه نصف سكان المحافظة وأن يحصل خيار الموافقة على نصف الأصوات زائد واحد. يؤكد الخبراء القانونيون أن هذا المسار يعد تطبيقًا عمليًا للمادة 119 من الدستور، ومن حق أي محافظة أن تسلكه، وأن دور الحكومة المركزية يقتصر على تحديد موعد الاستفتاء دون امتلاك سلطة تقديرية للرفض أو القبول، كما أن الطعن في أي قرار يتم عبر المحكمة الاتحادية العليا.
غير أن هذا الحراك الدستوري لا ينفصل عن سياق سياسي معقد وواقع اقتصادي وخدمي متردٍ في المحافظة. ففكرة إقليم البصرة ليست جديدة، بل تعود إلى عام 2008 عندما قاد محافظ البصرة الأسبق القاضي وائل عبد اللطيف حملة جمعت أكثر من 164 ألف توقيع، لكنها واجهت عرقلة من الحكومة المركزية آنذاك حسب قوله في تصريح سابق . اليوم، يُرجع المؤيدون الدافع الرئيسي للمطالبة بالإقليم إلى الإهمال المزمن للمحافظة رغم ثرواتها النفطية الهائلة، حيث يعاني السكان من تردي الخدمات في المستشفيات والمدارس، وانتشار الفقر، وأزمة تلوث مياه شط العرب الحادة التي وصل اللسان الملحي فيها إلى 180 كيلومترًا مما جعل المياه غير صالحة للاستخدام البشري أو الحيواني.
يرون أن الإقليم الإداري، وليس الانفصالي، هو الحل لتمكين البصرة من إدارة مواردها وتحسين خدماتها، على غرار تجربة إقليم كردستان. ويشير مؤيدون إلى أن نجاح هذا المسار قد يحفز محافظات كبيرة أخرى مثل نينوى والأنبار على السير في نفس الطريق، مما يعيد رسم الخارطة الإدارية للعراق.
بالمقابل يرى بعض السياسيون وكثير من الأطراف أن توقيت إعادة إحياء الملف الآن مرتبط بحالة “الربكة السياسية” السابقة لتشكيل الحكومة الجديدة، وخلافات داخل الإطار التنسيقي الشيعي الحاكم. بل إن بعض المراقبين يعتبرونه “ورقة ضغط سياسية” في مرحلة مفاوضات تشكيل الحكومة أكثر من كونه تعبيرًا عن إرادة شعبية جامعة وواضحة. كما أن هناك تضاربًا في التصريحات الرسمية زاد من حدة الجدل؛وتتزايد المخاوف من تداعيات هذا الخيار على الاستقرار الوطني، حيث يحذر البعض من أن سيناريو “الأقاليم” قد يقود إلى “اقتتال شعبي” بين المحافظات الغنية والفقيرة على الموارد، وهو ما وصف بـ”لحظة الانهيار” ونقطة اللاعودة للدولة العراقية. وتتعاظم هذه المخاوف نظرًا للأهمية الاقتصادية الاستثنائية للبصرة، التي تُعد المنفذ البحري الوحيد للعراق وتحتضن نحو ثلثي احتياطي النفط. كما يخشى آخرون من أن يكون المشروع مدعومًا من جهات إقليمية تسعى لنفوذ في المنطقة، أو أنه قد يكون بوابة لتقسيم البلاد، خاصة مع ظهور ما يشير إلى “علم إقليم البصرة” من سنوات. في النهاية، يبقى الجدل محتدمًا بين مؤيد يرى في الفيدرالية حلاً إدارياً عصرياً لقضايا التنمية والعدالة، ومعارض يخشى على وحدة العراق وهويته الوطنية من أي خطوة قد تفسر على أنها تمهيد للتقسيم.


