في الظاهر تبدو (قرية السنافر) مجرد عالم أزرق بريء(منازل صغيرة لطيفة وعمل جماعي متناغم وضحكات لا تحمل أي شبهة توتر) لكنها في الحقيقة هي عبارة عن قراءة سياسية متأنية لهذا العالم الطفولي تقود إلى نتيجة واحدة (نحن لم نكن نشاهد كرتون أطفال ، بل كنا نتلقى من دون أن ندري درساً مبكراً في فهم بنية السلطة وطريقة اشتغال الجماهير وكيف تُدار المجتمعات حين تُراد لها أن تبقى داخل حلقة مغلقة لا ترى خارج أسوارها) .
في قلب القرية يقف (بابا سنفور) حكيم وقوي ولا يُستبدل ولا يُعاد انتخابه ، فوجوده بديهي كالشمس ، وقراراته نهائية بحكم كونه (الأعرف والأدرى) فالسنافر جميعاً يؤدون وظائفهم بدقة فهذا السنفور الزراع، وذاك هو البنّاء ، والآخر شاعر يوزّع العواطف وقت الحاجة ، فالأدوار مرسومة مسبقاً ، ولا أحد يجرؤ على تجاوز حدّه فالعمل يسير بسلاسة لأن الجميع متساوون… ليس بالمواطنة فقط ، بل بالطاعة أيضاً .
وهكذا تُخلق المثالية المريحة في الأنظمة المغلقة (توزيع عادل ، أمن مستتب نوعاً ما ، حصص متوازنة ، وانعدام تام للصراع الاجتماعي) ولكن خلف هذه الصورة هناك هشاشة واضحة (فلا وجود للفردية ولا مساحة للاختلاف ، ولا إمكانية للابتكار خارج “التخطيط الأزرق”) فالقرية نموذج لسلطة تخشى الحرية أكثر مما تخشى الفوضى ، وتُبقي الجميع داخل دائرة واحدة تُصان بعناية.
وهنا يظهر دور (شرشبيل) ليس مجرد شخصية شريرة ، بل وظيفة سياسية كاملة ، فكل نظام مغلق يحتاج الى عدوٍ دائم، لكي يبقى مقنعاً (و أي خطر يجب أن يكون من خارج الأسوار دائماً) فشرشبيل هنا بمعناه الرمزي هو (اللازمة) التي تُذكّر السنافر بأن الخطر خارجي ، وبأن (الزعيم الأزرق) وحده قادر على حمايتهم .
وهنا يقفز التشابه مع الواقع السياسي العراقي بلا مجهود كبير فالأحزاب عندنا أدركت وبذكاءٍ بارد – أن الجماهير تحتاج إلى (شرشبيل) دائم، فمرةً يكون شرشبيل هو الإرهاب، ومرة أخرى يكون المؤامرة الخارجية، ومرة (الطائفة المقابلة) ، ومرة (الطرف الثالث) المهم أن يبقى الجمهور خائفاً وممتناً ومنضبطاً ومشغولاً عن السؤال الخطير (لماذا لا تتغير حياتنا رغم كل هذه البطولات التلفزيونية؟)
ففي كل موسم انتخابي يظهر شرشبيل جديد وتُصنع حوله أسطورة كاملة ، ويُطلب من الجمهور أن ينسى فشلاً متراكماً وبنى تحتية منهارة وملفاتِ فسادٍ لا تنتهي مقابل وعدٍ بسيط (ابقَ معنا خلف الأسوار ، فالعالم في الخارج مرعب) هكذا تُعاد صناعة الولاء!! ، وهكذا تستمر الحلقة المغلقة التي تُبقي المجتمع في حركة دائرية بلا تقدّم .
والأحزاب هنا تتبنى نسخة مطوّرة من (بابا سنفور) زعيمٌ دائم، وقرار واحد، وأدبيات مقدسة، وانضباط جماهيري قائم على الخوف لا على القناعة ، بل إن بعض القوى السياسية اتبعت استراتيجية دقيقة تقوم على خلق عدو دائم لتضمن بقاءها الدائم (فمن دون شرشبيل لا معنى للسور ، ومن دون السور لا وظيفة للزعيم)!!.
والنتيجة مجتمع يعيش وهم (الأمان الأزرق) استقرار بلا حرية وطمأنينة بلا خيارات وانتماء مُصمم مسبقاً ، وبالمقابل كل شيء يبدو ملوناً ومبهجاً… لكنه ليس حقيقياً.
فالسعادة التي تُمنح دون حرية تتحول سريعاً إلى عادة ، ثم إلى قيد ، ثم إلى قناعة بأن العالم خارج الأسوار ليس إلا تهديداً وجودياً .
ورغم أن السنافر كانوا يغنون ويضحكون يومياً إلا أن الحكاية تخبّئ سؤالاً كبيراً (ماذا لو خرج سنفور واحد فقط وقال لنفسه : هل العالم أكبر من هذه القرية؟ هل يمكن أن نعيش بلا شرشبيل؟ وهل يمكن أن يكون الأمان حقيقياً لا مصطنعاً؟) .
هذا السؤال بالذات هو ما تخشاه الأنظمة المغلقة والأحزاب التي تُتقن فن صناعة الأعداء.
لأنها تدرك أن لحظة وعيٍ واحدة هي لحظة لاختراق السردية وهي كافية لنسف الحلقة المغلقة بأكملها!.
وهكذا، فإن درس السنافر ليس طفولياً ولا بريئاً ، بل إنه رسالة سياسية عميقة( الاستقرار الذي لا يسمح بطرح الأسئلة هو مجرد لونٍ مريح يغطي قلقاً عميقاً) وكل نظام يعتمد على (عدو دائم) يعيش في الحقيقة على خوفه من يوم يفقد فيه هذا العدو… فيفقد معه مبرر وجوده الى الأبد .



One Response
مقاربة رائعة فعلا احسنت