يشهد النظام الدولي انتقالاً تدريجياً من مرحلة الهيمنة الأمريكية شبه المنفردة إلى بيئة أكثر تعدداً في مراكز القوة. ولا تتمثل المشكلة الأساسية بالنسبة إلى الولايات المتحدة في فقدان عناصر قوتها، بل في تراجع قدرتها على تحويل التفوق العسكري والاقتصادي والتكنولوجي إلى نتائج سياسية مستقرة ومستدامة.
وتنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن أزمة النظام الدولي الراهن هي في جانب أساسي أزمة قدرة على إدارة القوة، وليست مجرد أزمة في امتلاكها. فكلما اتسعت الفجوة بين حجم القوة التي تمتلكها الدولة وقدرتها على تحويلها إلى نفوذ مقبول ونتائج قابلة للاستمرار، ازدادت كلفة القيادة، وبدأ الحلفاء في تنويع خياراتهم، وبدأ الخصوم في اختبار حدود القوة، وظهرت مراكز نفوذ بديلة.
وبهذا المعنى، فإن العالم لا يتجه بالضرورة إلى «سقوط أمريكي» مفاجئ، وإنما إلى تآكل تدريجي في القدرة على الانفراد بصياغة قواعد اللعبة، بالتزامن مع صعود قوى دولية وإقليمية تسعى إلى إعادة توزيع النفوذ.
أولاً: اللامنطق التقليدي وصعوبة تفسير المرحلة
لم تعد الصراعات الدولية تتحرك وفق قواعد الحرب الباردة أو قواعد مرحلة ما بعد الحرب الباردة بصورة كاملة. فالمنافسة بين القوى الكبرى أصبحت أكثر تركيباً، وتداخلت فيها القوة العسكرية مع الاقتصاد والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد والطاقة والعقوبات والحرب المعلوماتية والرأي العام.
لذلك فإن وصف الصراع بأنه «محكوم باللامنطق» لا يعني غياب الحسابات، وإنما يشير إلى أن القواعد القديمة لم تعد كافية لتفسير السلوك الجديد للقوى الدولية والإقليمية.
وتبدو منطقة الشرق الأوسط إحدى أكثر البيئات تعبيراً عن هذا التحول، بسبب تداخل المصالح الأمريكية والروسية والصينية والإيرانية والتركية والخليجية، إلى جانب تأثير القوى غير الحكومية، والتحولات في الرأي العام، وتراجع قدرة بعض التحالفات التقليدية على احتواء الأزمات.
ثانياً: الولايات المتحدة بين قوة هائلة وقدرة سياسية مقيدة
لا تزال الولايات المتحدة تمتلك مجموعة استثنائية من عناصر القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والمالية، ولذلك فإن الحديث عن انهيارها الوشيك سيكون تبسيطاً للتحولات الجارية.
لكن السؤال الاستراتيجي الأهم ليس هل ما زالت الولايات المتحدة قوية؟
بل: إلى أي مدى تستطيع تحويل هذه القوة إلى نتائج سياسية مستقرة؟
وهنا تظهر إحدى أهم مفارقات المرحلة قد تتمكن واشنطن من التأثير في مسار أزمة، أو فرض كلفة على خصم، أو تعطيل خيار معين، من دون أن تتمكن بالضرورة من إنتاج التسوية التي تريدها.
ومن منظور تاريخي، لا تبدأ أزمات القوى الكبرى بالضرورة عندما تفقد تفوقها العسكري، وإنما عندما تصبح كلفة استخدام القوة أعلى من العائد السياسي الناتج عنها.
وتشير هذه الفرضية إلى أن التحدي الأمريكي قد يكون أقل ارتباطاً بكمية القوة وأكثر ارتباطاً بكفاءة استخدامها، وبقدرة واشنطن على الحفاظ على شبكة التحالفات التي تمنح قوتها معنى سياسياً واستراتيجياً.
ثالثاً: مصادر الاستنزاف الأمريكي
يمكن النظر إلى القيود التي تواجه واشنطن عبر ثلاثة مستويات مترابطة.
أولاً: المستوى الداخلي.
الاستقطاب السياسي والاجتماعي يجعل بناء توافق طويل الأمد حول السياسة الخارجية أكثر صعوبة، خصوصاً عندما تتطلب المنافسة الدولية موارد والتزامات ممتدة.
ثانياً: المستوى الدولي.
لم تعد الولايات المتحدة تتعامل مع بيئة يهيمن فيها طرف واحد أو يمكن احتواء المنافسين فرادى بسهولة. فالصعود الصيني، والعودة الروسية إلى المنافسة الجيوسياسية، وتنامي أدوار القوى الإقليمية، كلها تفرض على واشنطن توزيع مواردها على ساحات متعددة.
ثالثاً: مستوى إدارة التحالفات.
كلما ارتفعت كلفة الالتزامات الأمريكية، ازدادت الضغوط على الحلفاء للمساهمة في تحملها، وهو ما قد يدفع بعضهم إلى تنويع علاقاتهم بدلاً من الاعتماد المطلق على واشنطن.
وتكتسب عودة دونالد ترامب إلى مركز القرار أهمية خاصة في هذا السياق، بسبب تركيزه على المصالح المباشرة وتقاسم الأعباء وإعادة تعريف بعض الالتزامات التقليدية. وقد يؤدي هذا النهج إلى تعزيز تماسك بعض التحالفات في حالات معينة، لكنه قد يدفع حلفاء آخرين أيضاً إلى البحث عن قدر أكبر من الاستقلال الاستراتيجي.
رابعاً: أزمة الشرعية وتآكل القوة الناعمة
لا تُقاس قوة النظام الدولي بالقدرات العسكرية والاقتصادية فقط؛ فالشرعية والثقة عنصران أساسيان في قدرة القوة الكبرى على القيادة.
وقد أدى التفاوت بين الخطاب الغربي حول القانون الدولي وحقوق الإنسان وبين المواقف العملية في عدد من الأزمات إلى اتساع مساحة التشكيك في حيادية النظام الدولي، خصوصاً في أجزاء واسعة من العالم غير الغربي.
ولا يعني ذلك أن النموذج الغربي فقد تأثيره بالكامل، لكن قدرته على احتكار تعريف الشرعية الدولية أصبحت موضع منافسة متزايدة.
وهنا تبرز نقطة استراتيجية مهمة كلما تراجعت الثقة، احتاجت القوة الكبرى إلى استخدام قدر أكبر من أدوات الإكراه للحفاظ على نفوذها؛ وكلما ازداد الاعتماد على الإكراه، ارتفعت كلفة القيادة وتراجعت جاذبيتها.
خامساً: التحالف الغربي أمام اختبار إعادة الحسابات
لا توجد مؤشرات كافية للقول بانهيار التحالف الغربي أو تفكك حلف شمال الأطلسي في المدى القريب. لكن ذلك لا يلغي وجود تحول مهم في طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا.
فالنقاش حول تقاسم الأعباء، والأمن الأوروبي، والسياسة التجارية، والاستقلال الاستراتيجي، ومستقبل العلاقة مع واشنطن، يعكس انتقال العلاقة من مرحلة تطابق نسبي في الأولويات إلى مرحلة أكثر تعقيداً.
وقد لا يخرج الحلفاء من التحالف، لكنهم قد يعملون على تقليل درجة اعتمادهم على مركز واحد للقوة.
وهذه النقطة مهمة؛ لأن التحولات الكبرى لا تبدأ دائماً بانهيار التحالفات، بل قد تبدأ بتغير سلوك أعضائها من الداخل.
سادساً: الكيان الصهيوني ومعركة الشرعية
أظهرت الحرب في غزة أن الصراع لم يعد محصوراً في ميدان القوة العسكرية، بل امتد إلى ميدان الشرعية الدولية والرأي العام.
فالتغطية المستمرة للحرب والخسائر البشرية والجدل القانوني والسياسي حولها أسهمت في اتساع الانتقادات الموجهة إلى الكيان الصهيوني، ولا سيما بين شرائح من الأجيال الشابة في المجتمعات الغربية.
وهذا التطور لا يعني بالضرورة تحولاً فورياً في مواقف الحكومات الغربية، لكنه قد يمثل تغيراً تدريجياً في البيئة السياسية والاجتماعية التي تتحرك داخلها تلك الحكومات.
أما الولايات المتحدة، فتجد نفسها أمام معادلة أكثر تعقيداً في الحفاظ على التزاماتها تجاه الكيان الصهيوني من جهة، وإدارة الكلفة السياسية والأخلاقية والدبلوماسية لهذا الدعم من جهة أخرى.
وبذلك أصبحت القضية الفلسطينية، بدرجة متزايدة، جزءاً من الصراع الأوسع حول معايير تطبيق القانون الدولي وحدود ازدواجية المعايير في النظام العالمي.
سابعاً: إيران واختبار حدود القوة الأمريكية
تمكنت إيران خلال العقود الماضية من تطوير مجموعة من أدوات النفوذ الإقليمي، مستفيدة من موقعها الجغرافي، وقدراتها الصاروخية، وشبكاتها السياسية والأمنية، وخبرتها الطويلة في إدارة الصراعات غير المتكافئة.
ولا يعني ذلك أن إيران أزاحت الولايات المتحدة من الشرق الأوسط أو أنهت نفوذها، لكن التجربة الإيرانية تكشف أن الوجود العسكري الأمريكي لا يساوي بالضرورة القدرة على التحكم الكامل بمخرجات البيئة الإقليمية.
وتكمن أهمية هذه المعادلة في تأثيرها على حسابات القوى الأخرى؛ إذ كلما بدا أن القوى الإقليمية تستطيع مقاومة الضغط الأمريكي أو تجاوزه في بعض الملفات، ازدادت حوافز الدول الأخرى لتنويع خياراتها وعدم ربط أمنها ومصالحها بقوة دولية واحدة.
ثامناً: إعادة التموضع الإقليمي وتعدد الشراكات
تظهر في الشرق الأوسط مؤشرات متزايدة على إعادة بناء العلاقات وفق قاعدة أكثر براغماتية.
فالدول الإقليمية لا تتجه بالضرورة إلى الانضمام الكامل إلى محور جديد، وإنما تسعى إلى امتلاك شبكة علاقات متعددة تسمح لها بالمناورة وتقليل مخاطر الارتهان لقوة واحدة.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة التقارب بين تركيا والسعودية وباكستان، إلى جانب علاقات دول أخرى، بوصفه جزءاً من عملية أوسع لإعادة تعريف المصالح الإقليمية.
والقاعدة الصاعدة تبدو أقرب إلى: شراكات متعددة، مصالح متحركة، واعتماد أقل على مركز واحد للقوة.
وهذا التحول، إذا استمر، يمكن أن يمثل أحد اللبنات الأساسية في الانتقال من نظام إقليمي شديد الارتباط بالولايات المتحدة إلى نظام أكثر تعددية.
تاسعاً: الرهان على الولايات المتحدة ومخاطر التبعية
من أكثر النتائج المحتملة للتحول الدولي أهمية بالنسبة للدول الحليفة لواشنطن أن الاعتماد الكامل على قوة واحدة قد يتحول من مصدر حماية إلى مصدر مخاطرة عندما تتغير أولويات تلك القوة أو تتراجع قدرتها على الوفاء بالتزاماتها.
فالدولة التي تربط أمنها واقتصادها وسياساتها الخارجية بمركز واحد للقوة تكون أكثر تعرضاً لتقلبات هذا المركز.
ولا يعني ذلك أن التحالف مع الولايات المتحدة سيصبح عديم القيمة، وإنما يعني أن الدول قد تجد نفسها مضطرة إلى إعادة تعريف التحالف من مفهوم «الاعتماد» إلى مفهوم «الشراكة».
وبالتالي، فإن الرهان الاستراتيجي الأكثر خطورة ليس التعاون مع واشنطن بحد ذاته، بل تحويل العلاقة معها إلى ارتهان كامل يمنع بناء البدائل.
وفي حال تراجع النفوذ الأمريكي تدريجياً، فإن الدول الأكثر ارتباطاً به قد تواجه مرحلة انتقالية صعبة إذا لم تكن قد بنت مسبقاً خيارات سياسية واقتصادية وأمنية بديلة.
عاشراً: العراق في قلب التحول
يحتل العراق موقعاً خاصاً في هذه المعادلة بسبب موقعه الجغرافي وتداخل مصالح القوى الإقليمية والدولية فيه.
ومنذ عام ٢٠٠٣، تشكل نظام سياسي جديد أصبحت فيه القوى الشيعية أحد المكونات الرئيسية لموازين القوة السياسية والاجتماعية، إلى جانب القوى السنية والكردية والقوى المدنية والعشائرية والاجتماعية والمؤسسات الرسمية.
لكن اختزال العراق في بعد مذهبي واحد يضعف القراءة الاستراتيجية؛ فالقوة العراقية الحقيقية تتشكل من تفاعل هذه المكونات داخل الدولة، ومن قدرتها على بناء توافقات وطنية وإدارة التنافس الإقليمي دون تحويل البلاد إلى ساحة صراع .
وفي ظل التحول الدولي، قد يمتلك العراق فرصة لإعادة تعريف موقعه باعتباره دولة ذات مصالح متعددة، لا دولة تابعة لمحور واحد.
حادي عشر: اختبار الأطروحة المركزية
يمكن اختبار فرضية «تآكل القدرة الأمريكية على إدارة النظام الدولي» من خلال ثلاثة مؤشرات رئيسية:
المؤشر الأول: سلوك الحلفاء.
هل تستمر الدول الحليفة في الاعتماد على واشنطن بوصفها مركزاً وحيداً للأمن والسياسة الخارجية، أم تتجه إلى تنويع الشراكات؟
المؤشر الثاني: سلوك الخصوم والمنافسين.
هل تستطيع القوى الصاعدة تحدي المصالح الأمريكية دون تحمل كلفة تمنعها من الاستمرار؟
المؤشر الثالث: قدرة واشنطن على تحويل القوة إلى نتائج.
هل تنجح الولايات المتحدة في إنهاء الأزمات بالشروط التي تريدها، أم تكتفي بإدارة الأزمات ومنع خصومها من تحقيق انتصار حاسم؟
إذا استمرت المؤشرات الثلاثة في الاتجاه نفسه، فإن فرضية الانتقال إلى نظام أكثر تعددية ستكتسب قوة أكبر.
أما إذا تمكنت واشنطن من إعادة بناء تحالفاتها، وتحسين قدرتها على إنتاج التسويات، واستعادة قدر من الثقة الدولية، فإن الحديث عن تراجع أمريكي طويل الأمد سيحتاج إلى إعادة تقييم.
ثاني عشر: السيناريوهات المستقبلية
السيناريو الأول: التعددية المتدرجة الأكثر ترجيحاً
يتجه النظام الدولي تدريجياً نحو تعدد مراكز القوة دون انهيار مفاجئ للنفوذ الأمريكي.
تظل الولايات المتحدة القوة الأقوى أو إحدى أقوى القوى العالمية، لكنها تواجه منافسة أكبر، بينما توسع الصين وروسيا والقوى الإقليمية هامش حركتها.
وفي هذا السيناريو، لا تختفي التحالفات القديمة، وإنما تتغير طبيعتها، وتزداد الدول اعتماداً على سياسة تنويع الشراكات.
النتيجة نظام دولي متعدد الأقطاب بصورة متدرجة، مع استمرار الولايات المتحدة كقوة مركزية ولكن دون احتكار إدارة النظام.
السيناريو الثاني: إعادة بناء الهيمنة الأمريكية
تنجح واشنطن في احتواء جزء من التحديات الداخلية والخارجية، وتعيد تنظيم تحالفاتها، وتستعيد القدرة على تقديم ضمانات أمنية وسياسية أكثر فاعلية.
وفي هذه الحالة قد يتباطأ الانتقال نحو التعددية، أو يتحول إلى تنافس بين كتلتين أو مجموعات محدودة من القوى.
النتيجة استمرار مركزية الولايات المتحدة مع تعديل أدوات الهيمنة بدلاً من انتهائها.
السيناريو الثالث: تسارع التفكك الدولي
تتصاعد المنافسة بين القوى الكبرى، وتتراجع قدرة المؤسسات الدولية على إدارة الأزمات، وتتوسع الحروب الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية، وتصبح التحالفات أكثر هشاشة.
في هذه الحالة قد لا ينتج عن تراجع الهيمنة الأمريكية نظام متعدد الأقطاب مستقر، بل نظام دولي أكثر فوضوية وتنافساً.
النتيجة تعددية بلا قواعد مستقرة، وارتفاع مخاطر الأزمات الإقليمية والصراعات بالوكالة.
السيناريو الرابع: إعادة صياغة النظام الدولي
وهو السيناريو الأكثر تحولاً؛ إذ تتوصل القوى الكبرى، تحت ضغط الكلفة المتزايدة للمنافسة، إلى ترتيبات جديدة تعيد تعريف قواعد الأمن والاقتصاد والتجارة ومؤسسات الحوكمة الدولية.
وفي هذه الحالة لا يكون الهدف إسقاط النظام الدولي، بل إصلاح بنيته بما يعكس التوزيع الجديد للقوة.
وقد يؤدي ذلك إلى توسيع تمثيل القوى الصاعدة، وإعادة النظر في بعض المؤسسات والقواعد التي تأسست في مرحلة كان فيها ميزان القوة مختلفاً جذرياً.
ثالث عشر: الاستنتاج الاستراتيجي
لا تشير المعطيات إلى أن الولايات المتحدة ستختفي من مركز النظام الدولي، كما لا تشير بالضرورة إلى انتقال القيادة العالمية بصورة مباشرة إلى قوة واحدة.
الأرجح أن العالم يدخل مرحلة إعادة توزيع للقوة والنفوذ.
وتكمن أهمية هذه المرحلة في أن النظام القديم القائم على تفوق مركز واحد يواجه ضغوطاً متزايدة، بينما لم يتشكل النظام البديل بصورة مكتملة بعد.
وهذه المنطقة الواقعة بين نظامين هي التي تجعل الصراع أكثر اضطراباً وأقل قابلية للتنبؤ.
فالقوى الصاعدة تريد إعادة توزيع القوة، والقوى القائمة تريد الحفاظ على امتيازاتها، والدول المتوسطة تبحث عن مساحة أكبر للمناورة، بينما تحاول المؤسسات الدولية التكيف مع ميزان قوى لم تعد قواعدها القديمة تعكسه بصورة كاملة.
ومن هنا فإن السؤال الاستراتيجي لم يعد من سيحل محل الولايات المتحدة؟
بل كيف سيعاد توزيع القوة عندما يصبح من الصعب على قوة واحدة إدارة النظام الدولي بمفردها؟
وهنا تظهر النتيجة الأهم: قد لا يكون مستقبل العالم في استبدال هيمنة بهيمنة أخرى، وإنما في بناء نظام متعدد المراكز، تكون فيه القدرة على بناء التحالفات وإدارة المصالح وإنتاج الشرعية الدولية أكثر أهمية من مجرد امتلاك القوة.
وبالنسبة إلى دول المنطقة والعراق تحديداً، فإن الرهان الأكثر عقلانية ليس الانحياز المطلق إلى قوة دولية ضد أخرى، وإنما بناء استقلال استراتيجي مرن يسمح بتعدد الشراكات، ويحافظ على القرار الوطني، ويحول الموقع الجغرافي والسياسي إلى مصدر قوة.
فالتحولات الكبرى لا تمنح الفرص للدول التي تنتظر نتائج الصراع، وإنما للدول التي تستعد مبكراً لاحتمالاته.
وفي النهاية، قد يكون التحول الحقيقي الجاري أقل شبهاً بسقوط قوة وصعود أخرى، وأكثر شبهاً بانتهاء مرحلة احتكار القوة وبداية مرحلة إعادة تعريف من يملك القدرة على التأثير، ومن يملك القدرة على صياغة القواعد، ومن يستطيع التكيف مع النظام الدولي عندما تتغير قواعد اللعبة.


