البراغماتية الاسلامية والاقتصاد العراقي

البراغماتية الاسلامية والاقتصاد العراقي
تقدم الصكوك السيادية كأداة براغماتية إسلامية لإعادة هيكلة تمويل الاقتصاد العراقي، عبر ربط رأس المال بالأصول الإنتاجية، جذب السيولة المعطلة، دعم التنمية، وتقليل الاعتماد على الريع النفطي والديون التقليدية...

الاخذ بالنتائج الناجحة هي اساس الفلسفة البراغماتية الغربية الامريكية، فالتنظير مهما كانت قوة من يؤديه لا يفضي الى شي في حال لم يطبق فكرته عمليا والحصول عبره على نتيجة قابلة للتطبيق، ولا يخفى على الجميع ان الاقتصاد العراقي اليوم يمر بإشكالية هيكيلة معقدة تمثلت بالانكشاف على تقلبات اسواق البترول العالمية الامر الذي جعل الاقتصاد العراقي عرضة لما عايشناه من صدمات مالية مستدامة للاسف اربكت الموازنات العامةوعطلت المشاريع الاستثمارية، وعليه تعالج الحكومات بخيارات محددة تقليدية بصورة متكررة على الرغم من مساوئ هذه المعالجات فالاقتراض التقليدي الداخلي او الخارجي يترتب عليهما فوائد تثقل كاهل الدولة والاجيال اللاحقة، او اللجوء الى التمويل بالعجز (المقترح الكينزي) يعمل على تغذية معدلات التضخم الامر الذي يسبب الضغوط المتكررة على العملة العراقية ويضعف القوة الشرائية لها.

وعليه فأن هذه الانماط التقليدية في معالجة الازمات المالية اوجدت الحاجة الى تبني ادوات البراغماتية الاسلامية الحديثة لاسيما (الصكوك السيادية المبتكرة) حيث تعد فرضية عمل تعيد دمج التمويل بالهيكيلة الاقتصادية الحقيقية والتي توفر من جانبها مخارج امنة للتعافي والتنمية المستدامة. حيث ان هذا التمويل الاستثماري ينقل الفكرة من التمويل الاستهلاكي عبر القروض الداخلية والخارجية الى التنمية العينية وتبرز نقاط قوة هذه الفرضية (فرضية التمويل عبر الصكوك السيادية) في فلسفتها التي تبنى على التمويل المدعوم باصول حقيقية وهذه الفلسفة تخالف عمل السندات التقليدية التي تحمل الدولة فوائد الدين الثابتة حتى في حال فشل المشاريع التي تم تغذيتها بهذه السندات لان النظام المالي الكلاسيكي لاسيما في العراق يوجه القروض نحو النفقات التشغلية والرواتب الامر الذي يتسبب بتراكم الديون دون خلق اي قيمة مضافة من القطاع المدعوم في حين ان البراغماتية الاسلامية عبر الصكوك الشرعية تشترط وجود أصل عيني استثماري توجه اليه مبالغ هذه الصكوك بشكل مباشر، لذا يمكن استغلال هذه الفلسفة لمعالجة ما يمر به الاقتصاد العراقي من نقص في السيولة  والاعتماد على القطاع الريعي فقط في تعزيز موازناته فأن تطبيقات صكوك الاستصناع والتجارة والمشاركة التناقصية يمكنها ان تحدث اثرا كبيرا ونوعيا في تمويل مشاريع البنى التحتية التي تعاني من الاهمال بسبب نقص الدعم او الخطأ في التوجيه الاستراتيجي لصناع القرار في البلد، وفي هذه الحالة يكون لربط رأس المال بالمشاريع الانتاجية ضمان لتحويل الازمات الى فرص لتكوين رأس المال  البلد مع ضمان عوائد مستدامة وضمان تقليل الاعتماد على دعم القطاع الريعي في الموازنة التشغيلية.

وتتمثل فلسفلة الصكوك السيادية بنوعين تمثلهما البراغماتية الاسلامية وتعد هذه الانماط الرئيسة من الصكوك التنموية قريبة من الجوهر الاسلامي وهما:

  1. 1. الصكوك القائمة على الاصول: تقوم هذه الصكوك على نقل ملكية الاصل الانتاجي كالمستشفيات والمدارس والموانئ والطرق الى المستثمرين قانونيا على ان يكون ضمان التمويل مرتهنا باداء الاصل ذاته ولا تتحمل خزانة الدولة مخاطره كمدين مباشر.
  2. 2. الصكوك المتربطة بالاصول: وهو الخيار البراغماتي الذي يلائم الواقع التشريعي في العراق حيث تستخدم فيه الاصول السيادية كمرجعية إئتمانية وحسابية لتوليد العوائد مع احتفاظ الدولة بالملكية القانونية للاصل.

فضلا عن ذلك، فأن هذه الفلسفة تعمل على امتصاص السيولة المكتنزة داخل المنازل وبذلك يتحقق شمول مالي اوسع حيث ان اغلب السيولة النقدية تدار بواسطة الاكتناز العائلي بسبب ضعف الثقة في النظام المالي للحكومة او المخاوف من التعاملات الربوية وغيرها. وعليه فان طرح الصكوك السيادية الحكومية المبتكرة والتي تصاغ وفق اطر شرعية وقوية ومستندة الى مشاريع استثمارية واضحة تعمل على جذب السيولة المعطلة لتتم اعادتها الى الدورة الاقتصادية وبذلك فان هذه العملية تؤدي الى تعميق الشمول المالي من جهة وزيادة الاستثمارات التنموية من جهة اخرى ويجعل الدولة قادرة على التمويل الذاتي دون الحاجة الى اللجوء الى الاقاراض الداخلي او الخارجي من مؤسسات غالبا ما تضع شروطا مجحفة بحق الطرف المدين.

وبذلك تتقاسم الدولة المخاطر مع المستثمرين وفق البراغماتية الاسلامية التي تقوم على قاعدة الغنم بالغرم عبر مشاركة الربح والخسارة بدلا عن نقل المخاطر الى المدين، وبذلك تضمن الحكومة لاسيما في اوقات الصدمات الفرق بين الديون التقليدية وفلسفة البراغماتية الاسلامية عبر الصكوك السيادية. وعلاوة على ذلك فان اصدار هذه الصكوك بالعملة المحلية يقلل بنسبة كبيرة الانكشاف على الديون بالعملات الاجنبية الامر الذي يحمي الاحتياطي النقدي للبنك المركزي من الاستنزاف وبالتالي يقلل الضغط المستمر على سعر الصرف.

وتقتضي البراغماتية الاقتصادية الاسلامية بدورها التنوع في ابتكار الصكوك السيادية الهجينة والصكوك الخضراء للاستثمار في المشاريع المخصصة للطاقة المتجددة وتحلية المياه ومعالجة التصحر لان هذه الادوات اصبحت بابا من الابواب التي يعمل اصحاب رؤوس الاموال على فتحها لما لها من اهمية وربحية مستدامة.

وهنا ظهر لنا ان هذه الفلسفة (البراغماتية الاسلامية) عبر الصكوك السيادية ليست مجرد بديل شرعي للقروض الربوية بل هي اداة مالية وسياسيةتعمل على معالجة الاختلالات الهيكيلة في الاقتصاد العراقي عبر ربط التمويل بالاصول واستقطاب السيولة  المكتنزة وبذلك يتمكن النظام المالي في العراق من تحويل الصكوك من مجرد اداة لسد العجز المالي الى رافعة استراتيجية لمواجهة الصدمات والتنوع الاقتصادي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *