يُمثّل مفهوم (الربا) أحد المحاور المركزية في التشريع الاقتصادي الإسلامي، حيث جاء التحريم فيه صريحاً ومغلظاً في القرآن الكريم والسنة النبوية. ومع نشوء النظام المصرفي الحديث واحتكاره لآليات الوساطة المالية قائمًا على أسعار الفائدة المقترنة بالقروض، برز جدل فقهي واقتصادي واسع: هل الفائدة المصرفية المعاصرة هي ذاتها الربا المحرم شرعاً؟
يمتد هذا النقاش ليتقاطع مع التطبيق العملي في الدول ذات الأنظمة أو التوجهات الإسلامية، والتي وجدت نفسها أمام تحدي الموازنة بين النصوص الشرعية الحاكمة وبين متطلبات الاقتصاد العالمي والسياسات النقدية والضغوط الهيكلية.
الربا في اللغة هو الزيادة والنماء. أما في الاصطلاح الفقهي، فهو زيادة مشروطة في عقد القرض أو المعاوضة المالية بدون مقابل مشروع. ويقسم الفقهاء الربا إلى نوعين رئيسيين:
* ربا النسيئة (ربا الديون): وهو الزيادة التي يطلبها الدائن من المدين مقابل الأجل (التأخير في السداد). وهو الصورة الأصلية للربا في الجاهلية (أنظرني أزدك)، وهو محل إجماع على التحريم.
* ربا الفضل (ربا البيوع): وهو بيع جنس ربوي بآخر من جنسه مع التفاضل في المقدار (كبيع ذهب بذهب مع زيادة في أحد الطرفين)، وقد سُنَّ لمنع ذرائع ربا النسيئة.
تدور الفلسفة التشريعية لتحريم الربا حول تحقيق العدالة الاقتصادية؛ فالمال في الإسلام يُعد وسيلة للتبادل ومقياساً للقيمة وليس سلعة تباع وتشترى بذاتها. كما يهدف التحريم إلى منع استغلال حاجة المقترض، وتحفيز رأس المال للاستثمار في الإنتاج الفعلي القائم على المشاركة في الربح والخسارة بدلاً من ضمان العائد الثابت دون مخاطرة.
في حين تُعرف الفائدة في الاقتصاد الحديث بأنها التكلفة المدفوعة مقابل استخدام رأس المال، أو العائد الذي يتقاضاه المقرض لقاء تنازله عن السيولة وتأجيل استهلاكه الحالي (القيمة الزمنية للنقود). وتعتمد البنوك التقليدية على نوعين من الفائدة اولهما فائدة دائنة والتي تُدفع للمودعين لقاء إيداع أموالهم، وثانيهما فائدة مدينة وهي تُفرض على المقترضين لقاء الحصول على التمويل. ويرتكز سعر الفائدة في الاقتصاد المعاصر على كونه الأداة الرئيسية للسياسة النقدية التي تستخدمها البنوك المركزية للتحكم في معدلات التضخم، وضبط مستويات الاستثمار، وإدارة المعروض النقدي.
وللتمييز بين الفائدة المصرفية والربا لابد النظر لذلك من خلال ثلاث ابعاد:
- رأي الجمهور والمجامع الفقهية (المطابقة الشاملة) حيث اتفق غالبية المجامع الفقهية المعاصرة (مثل مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي، ومجمع البحوث الإسلامية بالأزهر) على أن الفائدة المصرفية على القروض هي عين ربا النسيئة المحرم. ويستند هذا الرأي إلى اشتراط الزيادة على أصل المال: كل قرض جر منفعة مشروطة فهو ربا وكذلك ضمان أصل المال مع العائد: في القرض المصرفي، يضمن المقترض إعادة الأصل مع الفائدة بغض النظر عن نجاح مشروع التمويل أو خسارته، وهو ما يتنافى مع قاعدة (الغنّم بالغرْم) (الربح بمقابل تحمل المخاطرة). بالإضافة الى ان التحريم جاء عاماً لكل زيادة مشروطة في عقد القرض، ولا فرق فيه بين القروض الاستهلاكية والقروض الإنتاجية/الاستثمارية.
- الآراء والاجتهادات المعاصرة المغايرة والتي حاولت التمييز بين الربا المحرم والفائدة المصرفية، مستندة إلى أسباب منها أن الربا المحرم هو ما استهدف الفقراء المحتاجين (قروض الاستهلاك)، بينما الفائدة المصرفية اليوم تُمنح لمؤسسات وأفراد لغايات استثمارية إنتاجية تكسب أرباحاً. والى اعتبار الفائدة تعويضاً للمقرض عن فقدان قوة المال الشرائية بمرور الزمن نتيجة التضخم، وليس زيادة مجردة بالإضافة الى ان القول بأن أحكام الربا وردت في المعاملات بين الأفراد، بينما البنك شخصية اعتبارية تدير منظومة تمويل جماعية.
ولابد من الاشارة الى حالات اعتماد الفائدة في بلدان ذات أنظمة إسلامية بالرغم من تتفاوت درجات تطبيق الشريعة الإسلامية في الأنظمة المصرفية عبر الدول الإسلامية؛ فبينما تعتمد معظم الدول نظاماً مصرفياً مزدوجاً (تقليدي وإسلامي جنبًا إلى جنب)، حاولت دول أخرى أسلمة القطاع المصرفي بالكامل أو نصّت قوانينها على الامتثال للشريعة. ومع ذلك، فرضت الواقعية الاقتصادية حالات لاستخدام الفائدة أو آليات تشبهها، ومن أبرز هذه الحالات:
- الجمهورية الإسلامية الإيرانية (المرابحة وسعر الفائدة المرجعي) حيث أقرّت إيران بعد عام 1983 قانون عمليات المصرفية الخالية من الربا لتطبيق الصيرفة الإسلامية على كامل القطاع المصرفي ومنعت القوانين الفائدة الاسمية الصريحة واستبدلتها بعقود المشاركة والمضاربة والمرابحة. لكن عملياً، تقوم البنوك الإيرانية ومصرف إيران المركزي بتحديد «معدلات أرباح متوقعة» مقدماً للمودعين والمقترضين.
ونظراً لمعدلات التضخم المرتفعة جداً والعجز المالي في النظام الايراني، تحولت هذه النسب المتوقعة إلى معدلات فائدة حقيقية ثابتة تحت مسمى «الربح المضمون». كما تفرض الدولة فوائد/غرامات تأخير وتعتمد أسعار فائدة رسمية في إدارة الدين الحكومي وأدوات السياسة النقدية الداخلية لضبط السيولة.
- جمهورية باكستان الإسلامية (التحول التدريجي والضغوط الهيكلية) حيث ينص الدستور الباكستاني على إزالة الربا، وأصدرت المحكمة الشرعية العليا قرارات متكررة يلزم الحكومة بإلغاء الفائدة من الاقتصاد.وبالرغم صدور قرارات قضائية بحظر الفائدة، استمرت الحكومات الباكستانية المتعاقبة في طلب مهل زمنية لتطبيق القرار نظراً لتعقد التزامات الدولة المالية. وتعتمد الحكومة الباكستانية بشكل رئيسي على قروض الفائدة في تسديد الدين الخارجي (مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي)، وتصدر سندات دين حكومية بفائدة ثابتة لتغطية العجز المحلي. كما تُطَبَّق الفائدة في المعاملات بين البنك المركزي والبنوك التجارية لإدارة السيولة، نظراً لغياب بدائل إسلامية سيادية كافية تستوعب حجوم الدين العام.
- ماليزيا (النظام المزدوج والربط بأسعار الفائدة المرجعية) تُعد ماليزيا نموذجاً رائداً في تنظيم الصيرفة الإسلامية إلى جانب الصيرفة التقليدية عبر إطار تنظيمي متطور. وبالرغم من ان المعاملات الإسلامية في ماليزيا خالية من الفائدة المباشرة وتعتمد عقوداً شرعية (كالمرابحة والإجارة والاستصناع)، الا ان البنوك الإسلامية الماليزية تعتمد في تسعير منتجاتها المحددة للربح على سعر الفائدة المرجعي (مثل LIBOR سابقاً أو أسعار الفائدة Interbank السائدة التي يحددها البنك المركزي). ورغم أن هذا الربط هو مسألة تسعير وليس عقد فائدة ذاته، إلا أنه يجعل تكلفة التمويل الإسلامي تتذبذب وتتحدد بناءً على حركة أسعار الفائدة في السوق التقليدي.
- السودان (التطبيق الشامل السابق والتحولات الأخيرة) طبّق السودان الصيرفة الإسلامية الشاملة على كامل القطاع المصرفي منذ تسعينيات القرن الماضي وحتى عام 2020 وتم إلغاء الفائدة رسمياً واستبدالها بصكوك ومظلات تمويل إسلامية. واجه الاقتصاد السوداني بعد ذلك اختناقات حادة في التعامل مع المؤسسات المالية الدولية التي لا تتعامل إلا بنظام الفائدة. وفي عام 2020، سمحت السلطات المالية بتأسيس نافذة مصرفية تقليدية تعمل بالفائدة للتعامل مع التمويلات الخارجية والاستثمارات الأجنبية، كضرورة لمواجهة العزلة الاقتصادية وتسهيل الاندماج في النظام المالي العالمي.
تتلخص الأسباب التي تدفع بعض الأنظمة التي ترفع شعارات إسلامية أو تعتمد أطراً شرعية إلى الاستعانة بالفائدة في بعض مفاصلها المالية الى ضرورتها لغرض الاندماج في النظام المالي العالمي، حيث يعتمد هيكل التجارة الدولية والنظام المصرفي العالمي (صندوق النقد، البنك الدولي، أسواق السندات) على سعر الفائدة كمعيار أساسي للتعامل، مما يجعل الامتناع الكامل عنه عائقاً أمام التمويل الخارجي. كما انه من صعوبة استغناء البنوك المركزية عن سعر الفائدة كأداة رئيسية للسيطرة على المعروض النقدي وكبح التضخم في غياب أدوات نقدية إسلامية بديلة بنفس الكفاءة والمرونة.
كما تحتاج الدول إلى تمويل عجز الموازنة عبر إصدار أدوات دين، وتكون السندات القائمة على الفائدة أسهل وأسرع حشداً للسيولة مقارنة بالصكوك الإسلامية التي تتطلب أصولاً حقيقية وهياكل معقدة. وان اعتماد نظام مصرفي منطق اقتصادي يمتلك الشجاعة الفقهية في إعادة تعريف (الربا) واستثناء المعاملات المصرفية منه رأساً، معتبراً أن المنظومة المصرفية حديثة ولم تكن موجودة زمن التشريع ويُعيد إنتاج الفائدة نفسها عبر عقود شرعية (كالمرابحة) ومعدلات ربح محددة مقدماً لضمان استقرار النظام المصرفي والسيطرة على التضخم.
التي يمكن ان تعمل على تجميع حجم العملة المتداولة خارج الجهاز المصرفي 101.97 تريليون دينار عراقي (ما يعادل قرابة 77.8 مليار دولار أمريكي) والذي يشكل حوالي 91.7% من إجمالي النقد المصدر البالغ نحو 111.2 تريليون دينار.

