لا شك فيه مع إعلان المفوضية العليات للانتخابات نتائج الانتخابات البرلمانية في العراق لعام 2025 بمشاركة فاقت التوقعات مقاربة بالسنوات الماضية انظر الشكل(1)، إذ بلغت نسبة المصوتين 56% من أصوات الناخبين المحدثين للبطاقة البايومترية، إذ تعد نقطة تحول في الوعي السياسي لدى الشعب العراقي، وبالتالي تشكل هذه المرحلة لحظة حساسة في إعادة تشكيل ملامح الحكومة العراقية المقبلة، فضلاً عن طبيعة التحالفات ما بين القوى التقليدية والناشئة وفقاً لحسابات المصالح، وفي ظل هذا الواقع السياسي الجديد ستكون الكيانات السياسية أمام مرحلة حساسة، تتسم بالعديد من التحديات والعقبات الصعبة التي تواجه العراق على المستويات المختلفة الاقتصادية والسياسية والأمنية.
نسب المشاركة في الانتخابات البرلمانية العراقية للفترة من (2005- 2021)

المصدر: الانتخابات البرلمانية العراقية 2025: هل تحول المشهد السياسي أم تعيد انتاجه ، تقدير موقف، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ص4.
تحول المسار الانتخابي
بدأ جلياً أن الملاحظ على نتائج الانتخابات عودة سياسة الاشخاص والرموز إلى واجهة السياسة والتي ستكون لاعب مباشر في التأثير على القرارات السياسية المتعلقة بتشكيل الحكومة العراقية المقبلة، لا سيما في ظل النقاشات التي أخذت تدور بين الأوساط السياسية حول هل ستكون الحكومة المقبلة امتداداً للحكومات السابقة، قائمة على أساس المحاصصة وتقاسم الحقائب الوزارية الاتحادية، أم سوف نشهد واقعاً سياسياً مغايراً في ظل الظروف المحلية والإقليمية والدولية، وفي الوقت ذاته تعمل على إعادة صياغة العلاقة ما بين السلطة والشعب من خلال محاربة الفساد واحتقان الشارع بالإضافة إلى التدخلات الخارجية ومواجهة مخاطر الأزمات الاقتصادية .
لذلك يمكن القول أن مخرجات الانتخابات الحالية تتميز بصعود جيل جديد من الشباب إلى قبة البرلمان، من المحتمل أن يقود مسار تصحيحيا في الممارسات التقليدية داخل البرلمان كجزء من إعادة تآكل الثقة بالسلطة التشريعية وتجعلها أكثر تأثيراً في المسار السياسي للبلاد، وبالتالي تدفع تلك التطورات الجديدة على إنتاج حلول تفاوضية في تشكيل الحكومة الجديدة تراعي مصالح مكونات الشعب العراقي المتعددة، لا سيما في ظل تعقيدات المشهد السياسي الحالي، حيث تشير المعطيات الحالية إلى مساعي رئيس الوزراء العراقي المنتهية ولايته محمد شياع السوداني الحصول على ولاية ثانية أمام بعض القوائم الرافضة لتلك المساعي، وبالتالي تطرح تلك التحديات العديد من التساؤلات حول الآلية التي من المتوقع أن تنتهجها الكتل السياسية في اختيار رئيس مجلس الوزراء القادم .
تعقيدات الخريطة السياسية
أمام تعقيدات المشهد السياسي يرى العديد من المختصين والمحللين السياسيين أن الفترة المقبلة سوف تشهد مفاوضات سياسية مكثفة بسبب غياب اغلبية صلبة تمكنها من تشكيل الحكومة العراقية، ومن هنا يمكن القول استحالة أن يقوم السيد محمد شياع السوداني بتشكيل الحكومة الجديدة بعد أن حصل ائتلاف الاعمار والتنمية على 46 مقعداً في البرلمان، ما لم يتوصل إلى تفاهمات سياسية مع القوى الشيعية الأخرى في الإطار التنسيقي، وهو ما يضعه أمام تحديات قد تتسبب بعدم التجديد للولاية الثانية، في ظل التوتر والفتور السياسي التي شهدتها علاقات السيد السوداني ببعض زعامات الإطار التنسيقي. أي بمعنى أننا أصبحنا أمام نظام سياسي قائم على أساس تعدد المراكز والتفاهمات في تشكيل أي حكومة، لا على أساس كتله واحدة. وهذا ما اكده رئيس تيار الحكمة عمار الحكيم في كلمة له بعد مشاركته في التصويت قائلاً إن “المرحلة المقبلة لن تكون مختلفة عن سابقتها، ولا يمكن اختزال العملية السياسية والانتخابية بجهة، فالدولة والمجتمع أوسع من ذلك”. وأضاف أن “المشاركين سيحمون مصالح المشاركين والمقاطعين على حد سواء، لأن الجميع أبناء وطن واحد، وعلى الكتل السياسية الجلوس والحوار وتشكيل الحكومة الجديدة في وقت مبكر”[1].
إضافة إلى ما تقدم أن تعدد القوائم الأخرى للمكونات الاجتماعية العراقية سواء السنية أو الكردية ذات الوزن السياسي الثقيل عامل تحدي أمام استكمال اجراءات تشكيل الحكومة الجديدة بسبب تفاوت المصالح والمكاسب فيما بينها، بالإضافة إلى التباينات في المواقف السياسية تجاه السياسيات المستقبلية للحكومة المقبلة حيال القضايا الداخلية أو الخارجية، في المقابل هناك تقديرات كثيرة ترى أن العامل الخارجي الإقليمي أو الدولي سيكون حاضراً وبقوة في رسم ملامح الحكومة القادمة، مثلما هو واضح من بعض الخطابات الأخيرة للولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية ما يخلق مناخاً سياسياً أكثر تعقيداً في كيفية موازنة حكومة بغداد المقبلة لمصالح العراق أمام حالة الصراع بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية.
نخلص مما تقدم اننا بحاجة إلى هندسة حكومية سياسية جديدة تتلاءم مع طبيعة التحولات التي افرزتها الانتخابات العراقية مؤخراً، وبالتالي يتعين على الحكومة المقبلة، أن تضع في الاعتبار الأولويات التالية من أجل انجاح العملية السياسية وتماسكها، لذلك فمن الضروري أن تراعي القوى السياسية في تشكيل الحكومة وبنيتها أن تكون حكومة مختلطة من وزراء تكنوقراط خارج المنظومة الحزبية إلى جانب الوزراء السياسيين في بعض الوزارات السيادية المهمة تحدد بفترة زمنية تخضع بعدها للمحاسبة لتفادي أي أزمات سياسية في المستقبل، أضف إلى ذلك ضرورة إعادة النظر في أغلب الدرجات الخاصة وبما لا يقل عن 50% واستبدال المدراء العاميين غير الكفؤين من خلال التقييم الشامل باخرين بعيدين عن المحاصصة للحد والتقليل من الصراع السياسي .
[1] محمد عماد ، صفاء الكبيسي ، العراق يُتمّ الاستحقاق الانتخابي ومفاوضات صعبة تلوح في الأفق ، موقع العربي الجديد ، 11/11/2025، شوهد في 14/11/2025، في: https://www.alaraby.co.uk/politics/%D8%A7%D9%84%D8%


