تشريح الفتنة ج2: قريش بين الميراث السياسي وجرح التاريخ

تشريح الفتنة ج2: قريش بين الميراث السياسي وجرح التاريخ
يرى الطرح أن ربط الخلافة بقريش منذ السقيفة أطلق سلسلة انقسامات عميقة في التاريخ الإسلامي، محوّلًا الإمامة من عقدٍ اجتماعي إلى ميراثٍ قبلي، وأن احتكار السلطة كان سببًا جوهريًا لتكرار الفتن وتصدّع الأمة....

ثمة جملة تتكرر في كتب التراث والسير كلما قُرئ التاريخ الإسلامي: فضل قريش على الإسلام والخلافة. غير أن هذه الجملة، مهما حاول البعض تجميلها أو تأويلها، تبقى واحدة من أكثر العبارات استفزازًا حين تُقرأ في ضوء ما آل إليه حال المسلمين وما اعترى تاريخهم من انقسامات وانشطارات. فالحقيقة المؤلمة أن كثيرًا من التشظي الذي أصاب جسد الأمة، والصدوع التي امتدت لقرون، إنما بدأت من تلك اللحظة التي رُبط فيها مصير الخلافة بقبيلة واحدة، وكأن الإسلام عجز عن أن يتخطى عصبية المكان والدم.

كانت البداية مبكرة للغاية، في سقيفة بني ساعدة، حينما أنكر المهاجرون القرشيون على الأنصار حقهم في اختيار الخليفة، وقيل يومها إن العرب لا تقبل أن تكون الإمامة إلا في قريش، وكأن الرسالة التي جاءت لتدكّ سلطان القبيلة، أعيد حبسها في قفصها الأول. ومن تلك اللحظة تحولت الخلافة إلى قضية نسب لا قضية أهلّية، وإلى امتياز وراثي لا عقد اجتماعي يتوافق عليه المسلمون. وما كان لهذا الأساس أن يمر دون أن تتوالد عنه فتن ومحارق سياسية صارخة.

صراع النسب والسلطة

لقد انتقلت الأزمة من صراع بين قريش والأنصار إلى صراع داخل البيت القرشي نفسه؛ بين الإمام علي وأبي بكر وعمر، وكلهم من قبيلة واحدة، ثم أحكم عمر الدائرة حين جعل الشورى محصورة في ستة قرشيين. وعلى هذا النحو أخذت الخلافة تتقلص من الواسع إلى الأضيق، حتى صار الأمر في آخر المطاف شأنًا عائليًا بين بني هاشم وبني أمية، ثم بين العلويين والعباسيين، وكأن الأمة كلها ليست إلا مساحة صراع تتنافس فيها فروع قريش على الإرث السياسي.

ومع هذه الدائرة المغلقة تمددت الحروب الأهلية: الفتنة الكبرى في زمن عثمان، ثم الجمل وصفين، وكل من حمل السيف يومها كان قرشيًا يقاتل قريشيًا، والأمة بينهما وقودٌ ودمٌ ومصيرٌ مهدور. امتد النزيف إلى فاجعة كربلاء، ثم إلى واقعة الحرة التي استُبيحت فيها المدينة، وبرز عبدالله بن الزبير ومصعب بن الزبير والمختار الثقفي، وكلهم يتحركون في مدار قريش، وكلهم يصنعون مزيدًا من الانقسام. ثم ثُبّت الحكم لبني أمية، ومن بعدهم لبني العباس، وبقيت الخلافة تدور داخل القبيلة ذاتها، حتى تحولت شيئًا فشيئًا إلى ملك عضوض، يورّث كما تُورّث الإبل والدور.

وسط هذا الإرث الثقيل كان الخوارج — رغم غلوّهم وسيوفهم الحادة — الصوت الوحيد الذي حاول أن يعيد النقاش إلى جذره الأصيل: الإسلام ليس ملكًا لقبيلة ولا لعائلة، والإمامة حق للمسلمين يختارون لها من يرونه أصلح، بصرف النظر عن شجرة نسبه. ولو لم يورّط الخوارج أنفسهم في التعصب المقيت وإراقة الدماء لكان موقفهم النظري أقرب إلى روح المساواة التي بشّر بها الإسلام. وبقي المبدأ الذي طرحوه دون حامل عقلاني قادر على الدفاع عنه.

درس التاريخ السياسي

إن الإصرار على أن تكون الخلافة في قريش، وما تفرع منه من صراع بين هاشميين وأمويين، ثم بين علويين وعباسيين، هو ما شطر الأمة إلى خطوط وتخوم لا تزال آثارها حاضرة اليوم. فبدل أن تكون القيادة عقدًا اجتماعيًا يختاره المسلمون وفق الصلاح والكفاءة، تحولت إلى ميراث يتنافس عليه أبناء البيت القرشي، وتحوّل الدين إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية. وما زال الشرخ الذي بدأ في السقيفة يشق طريقه حتى اللحظة، كأنه نهر من الملح يجفف كل أرض يمر فوقها.

لقد كان بإمكان المسلمين أن يصنعوا نموذجًا مختلفًا، لو تجاوزوا عصبية النسب إلى عقلانية الشورى، ولو جعلوا معيار القيادة هو الكفاءة لا القبيلة. لكن التاريخ — كما يبدو — اختار أن يسير في الاتجاه الأصعب، وأن يدفع ثمن فكرة صغيرة أُطلقت يوم السقيفة دون أن يُحسب حسابها، ثم تحولت مع الزمن إلى سُلطة، ثم إلى سيف، ثم إلى هوّة سقط فيها الجميع.

وهكذا، حين نراجع المسار كله، لا نرى فضلًا واضحًا لقريش على الخلافة بقدر ما نرى أثرًا بالغًا لاحتكارها. وربما يكون الدرس الأكبر أن أي مشروع سياسي — ولو كان باسم الدين — إذا احتكرته جماعة بعينها، فسيتحوّل في النهاية إلى مصدر انقسام أكثر منه مصدر وحدة. وفي هذه الحقيقة وحدها يكمن جرح التاريخ الذي لا يزال ينزف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *