فن ادارة الازمات عند اهل البيت (عليهم السلام) الامام جعفر بن محمد الصادق انموذجاً

فن ادارة الازمات عند اهل البيت (عليهم السلام) الامام جعفر بن محمد الصادق انموذجاً
يبرز النص حكمة الإمام جعفر الصادق في مواجهة ضغوط المنصور العباسي، إذ تعامل بحنكة مع الأزمات، ونجح في حماية العلويين بالحوار والاتزان، مؤكداً أن القيادة الحقيقية تقوم على العقل لا الصدام، وأن الحكمة أقدر على معالجة الشدائد....

عند وقوع الازمات فأنها تحتاج الى قادة يتصفون بالحنكة العظيمة والتدبر الكبير في كيفية مواجهتها، لذا كان الامام جعفر بن محمد الصادق(u) يتصف بتلك الحنكة والحكمة التي نجح من خلالها في التعامل مع الازمات التي واجهها في عصر الخليفة العباسي ابو جعفر المنصور حيث نتجت تلك الازمات نتيجة سياسة الدولة العباسية في التضييق والحصار الشديد الذي فرض على العلويين وعلى رأسهم الامام الصادق(u) وبذلك اخذ الامام على عاتقه التصرف بحذر مع تلك الازمات كونه يمثل الواجهة والزعامة العلوية فعده العباسيين عدوهم الحقيقي ، ومارس المنصور العباسي ضغوط كبيرة على الامام(u) جعلته تحت ضغط ازمات كبيرة تعامل معها بجدية ، فعندما تسلم المنصور الخلافة بعد وفاة اخيه السفاح حاول ان يكسب الامام الى جانبه كمستشار له وهو بذلك اراد تشويه صورة الامام واظهاره كطالب للدنيا وكذلك اتقاء شر العلويين وكسب تأييدهم له لكن الامام كان حذر بشكل كبير حيث تعامل مع هذه الازمة بشكل صحيح عندما طلب منه المنصور ان يصحبه في القصر فقال: ((تصحبنا لتنصحنا؟ فقال له الصادق: من اراد الدنيا لا ينصحك، ومن اراد الاخرة لايصحبك))

[1])، وهنا اعطى الامام(u) اشارة واضحة للمنصور العباسي بانه غير طالب للسلطة الدنيوية وبعيد كل البعيد عن منازعته في امر الخلافة وبذلك هدء روع المنصور العباسي مؤقتاً ، وبعد تصاعد خطر الثورات على المنصور العباسي اخذ يتجسس على الامام اخذاً بالوشايات التي تصل له كذباً تبين ان الامام يرعى الثورات العلوية وهو المحرك الرئيسي لها مما استدعى المنصور ان يقوم بأستقدام الامام الى بغداد ليكون تحت مراقبته بشكل مباشر فتصرف الامام بحكمة واضحة تجاه هذه السياسة حيث اهدى للمنصور مخصرة للنبي(F) فطار فرحاً بتلك الهدية وقال للأمام: ((ما جزاؤك عندي، الا ان اطلق لك وتفشي علمك لشيعتك ولا اتعرض لك ولا لهم فاقعد غير محتشم وافت الناس ولا تكن في بلد انا فيه)).([2]) وبذلك تخلص الامام من هذه الازمة الكبيرة بحكمة وتدبر حول موقف المنصور تجاهه بشكل كبير، وعلى الرغم من ذلك كان الامام يعلم بعدم الامان من المنصور العباسي فهو يتحين الفرص للإيقاع بالأمام وهذا دفع الامام الى عدم الوثوق بكل وعود المنصور المؤقتة.

ويتعامل الامام مع الازمات بحسب خطورتها ولعل خير دليل على ذلك اصرار المنصور على قتل العلويين بعد ثورة محمد ذو النفس الزكية سنة145ه فغضب على الامام الصادق وقال له : ((اما والله لقد هممت ان لا اترك لك نخلاً الا عقرته ولا مالا الا اخذته، فقال له الامام ابو عبد الله الصادق: ان الله ابتلى ايوب فصبر، واعطى داود [بن سليمان] فشكر، وقدر يوسف فغفر، وانت من ذلك النسل، ولا يأتي ذلك النسل الا بما يشبه. فقال له المنصور: صدقت قد عفوت عنكم))([3])  ونجح بذلك الامام من تغيير موقف المنصور العباسي تجاه العلويين ومواجهة الازمة المحدقة التي حلت عليهم ، وفي بعض الاحيان عندما يشعر الامام بان الحكمة لا تجدي نفعاً في مواجهة الازمات الخطيرة وحدث ذلك عندما صمم المنصور على قتل الحسين بن زيد الشهيد بن الامام زين العابدين (u) ابرز محدثي الشيعة في عصري الامامين الصادق والكاظم(K) وترعرع تحت كنف الامام الصادق وما كان من الامام الا ان يقف بشدة بوجه المنصور العباسي وحذره من خطورة قتله فكلمه قائلاً: ((لم ينل منا اهل البيت دما الا سلبه الله ملكه، فغضب لذلك [المنصور] واستشاط فقال له الامام: على رسلك ان هذا الملك كان في آل ابي سفيان، فلما قتل يزيد حسيناً اسلبه الله ملكه فورثه آل مروان، فلما قتل هشام [بن عبد الملك] زيد [بن علي] فورثه مروان بن محمد، فلما قتل مروان ابراهيم الامام فاعطاكموه))([4]). وبذلك تراجع المنصور عن قتله واطلق سراحه.

وفي نهاية المطاف يمكن القول ان الامام جعفر الصادق(u) نجح نجاح باهر في ادارة الازمات الكبيرة التي تعرض لها العلويين حيث استطاع من الحفاظ على الارواح من القتل المحقق ،  وهو بذلك يضرب لنا مثال ان مواجهة الحاكم الظالم لا يفترض ان تكون وفق منطق القوة وانما منطق العقل والتصرف بحكمه يمكن ان يصل به القائد الحقيق الى مبتغاه رغم ضعف الامكانات قياساً بامكانات الحاكم الجائر الذي تقع جميع موارد الدولة تحت تصرف ، وبذلك نحمد الله تعالى على نعمة اهل البيت(K) وعلينا ان نقتدي بسياستهم في الاهتمام بالرعية والحفاظ على مصالحهم في اصعب الظروف.

[1]([1]) الاربلي، كشف الغمة، ص427.

[2])) ابن شهر اشوب، مناقب آل ابي طالب، ج3، ص364.

[3])) الكليني، الكافي، ج2، ص563.

[4])) الكليني، الكافي، ج2، ص563.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *