(صاعنة الفوضى ، حين يفقد الخطاب بوصلته وتفقد الدولة صورتها)

(صاعنة الفوضى ، حين يفقد الخطاب بوصلته وتفقد الدولة صورتها)
يتناول المقال تأثير الخطاب السياسي والإعلامي المتذبذب في العراق على ثقة المواطن بالدولة. الخطاب المتناقض والإعلام المنحاز ساهم في تعزيز الفوضى السياسية وتدمير صورة الدولة أمام الشعب والعالم. ضرورة إعادة ضبط الخطاب والصدق في المواقف تظل الأساس لاستعادة الثقة وتحقيق الاستقرار....

في لحظة فارقة من تاريخ العراق، تبدو أخطر معاول الهدم ليست في السلاح ولا في الأزمات الاقتصادية التي تُرهق كاهل المواطن، بل في خطاب سياسي وإعلامي مضطرب فقد بوصلته، وتحوّل إلى منظومة متناقضة تُربك المشهد وتبدّد الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة .

خطابٌ يمجّد جهة في الصباح ثم ينقلب عليها في المساء، كأنه أسير دائرة مغلقة لا تعرف الثبات ولا تستقيم على مبدأ . هذا الاضطراب لم يعد شأناً داخلياً محصوراً في حدود البلاد. فالعالم يرى، ويراقب، ويسجّل ملامح الضجيج الذي يصعد من هذه الساحة المربكة.

الإعلام الذي كان يُفترض أن يكون عين الحقيقة وصوت الوعي، تحوّل إلى لاعب أساسي في صناعة الفوضى، وإلى وسيط لتسويق حملات التسقيط، وإعادة تدوير الخطاب المتشنج الذي يضعف الدولة بدل أن يساهم في ترميمها.

لقد فقد الإعلام في كثير من الأحيان دوره الرقابي، وارتدى عباءة الانحياز، وتحوّل إلى منصّة تُبثّ منها رسائل مُعدّة مسبقاً تخدم مصالح أشخاص لا مصلحة وطن . ولأن المصالح ارتفعت فوق المبادئ، بات السعي إلى المناصب والتشبث بالكراسي محرّكاً أساسياً للمشهد السياسي.

تُصنع من أجل تلك المناصب الروايات، وتُفتح لها المنابر، وتُغلق في طريقها الحقائق. أصبح المنصب غاية تُبذل من أجلها كل الأدوات، حتى لو كانت هذه الأدوات قادرة على شقِّ الشارع، أو تمزيق النسيج الاجتماعي، أو خلق دعاية سوداء تُعرض الدولة بكل مكوناتها إلى اهتزازات لا مبرر لها . وما يدور في أروقة السياسة اليوم ليس سوى صراع نفوذ يتغذّى على ازدواجية المواقف. سياسي يغيّر خطابه كلما تغيّرت رياح التحالفات. وإعلام يُدار بمنطق “من يدفع أكثر”، ومنظومات ضغط تدّعي الحرص على الوطن وهي في الحقيقة حريصة على حصصها.

والشارع، الذي لطالما كان مرآةً صادقة، بات يدرك أن كثيراً مما يحدث ليس عفوياً ولا ارتجالياً، بل مخطط يُدار من خلف الستار لإعادة تموضع قوى تبحث عن أماكنها في كل منعطف حكومي جديد . الخطير في الأمر أنّ صورة الدولة تُقدّم للعالم اليوم بصورة مرتبكة، مشوّشة، كأنها ساحة اصطفافات تتنازعها المصالح أكثر مما يحكمها مشروع وطني.

لا خطاب موحّد، ولا رؤية مشتركة، ولا أولويات واضحة. كلُّ طرفٍ يحمل مشروعه الخاص، ومنطقه الخاص، و”خطابه” الذي يعلو فوق أي خطاب جامع. وهكذا تحوّل المشهد السياسي إلى مسرح تُعرض فيه المواجهات اللفظية بصور متناقضة، وتُحجب فيه الحقيقة خلف طبقات من التجميل الإعلامي الذي لا يصمد أمام أول اختبار واقعي .

لقد أصبح تسقيط الخصوم مشروعًا قائمًا بذاته، تُدار له الحملات، وتُحشد له الأقلام، وتُستغل فيه المنابر. حتى بات المواطن يتساءل .. هل نحن فعلاً أمام مشهدٍ سياسي يريد بناء الدولة، أم أمام منافسة محمومة على تسجيل النقاط في مباراة لا رابح فيها سوى الفوضى؟ إن خطورة هذا الخطاب لا تكمن فقط في تشويه صورة الدولة أمام الخارج، بل في ضرب ثقة المواطن في الداخل. فعندما يسمع الناس رأيًا يُمجد مسؤولاً صباحًا، ثم يسمعون رأيًا آخر يسقطه مساءً من نفس المنبر، تُهدم ركائز اليقين لديهم. يصبح المواطن عاجزًا عن التمييز بين الحقيقة والدعاية، بين النقد البنّاء والتسقيط المدفوع، بين المصلحة العامة ومصلحة المجموعة. وحين يفقد المجتمع ثقته في الخطاب العام، يصبح أكثر عرضة للانقسام، وأكثر هشاشة أمام الشائعات، وأكثر ابتعاداً عن المشاركة السياسية الواعية .

ولعلّ أكثر ما يوجع في هذا المشهد أن الدولة بوزنها وتاريخها تُقدّم للعالم بشكل مُتكسّر، كأنها تفتقر إلى رؤية تحدد شكلها ومكانتها. المؤسسات تعمل، نعم، لكنها تعمل وسط ضجيج الخطاب المتضارب الذي يُضعف هيبة القرار، ويُربك عمل الإدارة، ويجعل كل خطوة حكومية عرضة للتشكيك قبل أن تُقاس بنتائجها. إنّ مسؤولية الخطاب اليوم أكبر من أي وقت مضى. فليس المطلوب خطابًا جديدًا بقدر ما هو مطلوب صدق في الخطاب. ليس المطلوب أن نتفنّن في صناعة الشعارات، بل أن نُعيد الاعتبار لقيمة الكلمة.

كلمة تُقال بوعي، وتُبنى على حقيقة، وتُسندها مصلحة وطنية صادقة . المواطن لم يعد بحاجة إلى خطابات ترفع سقف الوعود أو تُجمّل الواقع، بل إلى خطاب يحترم عقله، ويخاطب وعيه، ويضع أمامه صورة حقيقية للمشهد السياسي والاقتصادي دون تلاعب أو مواربة. كما أنّ الإعلام بحاجة إلى أن يعود إلى ميثاقه المهني، وأن يتذكّر أنه قبل أن يكون وسيلة لنقل الرأي، فهو مسؤول عن صناعة الوعي، وعن حفظ كرامة الحقيقة من التشويه.

أما السياسي، فعليه أن يدرك أن الكلمة مسؤولية كبرى، وأن المنصب ليس ميدانًا للبطولة الشخصية، بل خدمة عامة يُحاسب عليها أمام شعبه قبل أن يُحاسب أمام التاريخ. وأن تسقيط الآخر ليس مشروعًا سياسيًا، بل سقوطًا في نظر الوطن قبل الخصم . إنّ إعادة ضبط بوصلة الخطاب ليست ترفًا فكريًا، ولا مطلبًا نخبويًا، بل ضرورة وطنية لحماية الدولة من التشظي. فالدول لا تنهار دائماً بالحروب أو الاقتصاد، بل قد تنهار عندما تفقد خطابها الموحّد، وعندما يختلط صوتها بضجيج الأصوات التي لا تبني شيئاً سوى المزيد من الفوضى .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *