لا شكَّ ان الكتابة السردية هي ادة سرية سردية مقدسة لدى الكثير من الكتّاب منذ طفولتها، ومن هذا المنطلق كان سبب تأليفنا لهذا الكتاب حينما التقطنا بعض الاشارات التي تدل على ذلك ونحن نبحر ونتجول بين صفحات كتاب ” اصوار الرواية ” للاستاذة لطيفة الدليمية . وهو ما دفعنا الى ان نجمع اراء الكثير من الكتاب في هذا الكتاب لنعرف ماهية الكتابة التي يعنونها في كتاباتهم السردية وهل هي طقس وعادة سرية فعلا .
وقد يلحظ القارئ الكريم عدم التزامنا الحرفي او التسلسلي في هذه المنجز ، سيما ما يتعلق بمناقشة موضوعاته التي تناولت فقط ما يخص العادة السرية في الكتابة السردية . مبتعدين عن المناهج التقليدية المعروفة ،لغرض اثارة التشويق لدى القارئ الكريم وهو يقرا لما نقدمه له من نقود موضوعية اشبه بالقصة السردية ، بعيدا عن انماط التقليد والترقيم المعروفة ،بل ستكون مناقشتنا لطريقة كل روائي بشكل منطقي متسلسل متماسك متواصل ،بعيدا عن اسلوب الترقيم الذي يخلق فجوات ويشتت فكر وذائقة وتركيز المتلقي .
لقد تضمن هذا الكتاب اراء او مواقف او حوارات من قبل عدد من الصحفيين لعدد من الصحف الاوربية لعدد من روائي العالم تجمعت فيه رؤى مختلفة وتلاوين فكرية ومصادر الهام لا محدودة ،كانت الثيمة المهمة فيه هي التركيز على ماهية الكتابة الروائية واليات اشتغالها وتعدد ادواتها ،وطرق انبثاق افكارها ومصادر ثقافاتها ضمن الاطر الزمانية والمكانية .بوصف الرواية موسوعة معلوماتية ثقافية فكرية عولمية، تمثل شكلا ابداعيا متغيرا يعيش في حالة صيرورة دائمة وحركية مفعمة بالحيوية والطموح .وهي جنس ادبي دائم التغيير والاحتمال والانفتاح والتجدد تعبر عن الحياة الانسانية بكل تفاصيلها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفلسفية والمعرفية والثقافية ،فهي ترجمة لواقع الانسان الدراماتيكي ومعيشته وعمله وتفكيره .وهي مرآة تعكس الاوضاع الديموغرافية والسوسيوثقافبة البشرية .
وقد حاولت الاستاذة “لطفية الدليمي” ان تمايز بين الكتابة الروائية الشرقية والغربية من خلال انتقاء بعض الحوارات الصحفية في الصحف الاوربية، وترجمتها الى العربية او بعض مما دارته من حوارات بنفسها في كتابها المائز ” في اصوات الرواية ، حوارات مع نخبة من الروائيات والروائيين” والذي نشم من عتبته رائحة الحراك الثوري النسوي .كما اظهرت اختلاف الرؤى والافكار والنظرات حول العالم، وتباين مواقفهم حول العديد من القضايا العالمية السياسية والاجتماعية والنفسية او الايديولوجية. ومنها طغيان الفردانية والذاتية المفرطة والابيقورية لدى كتّاب الغرب وانكفاؤهم على المشكلات الفردية الناتجة عن الضغوط النفسية والتنافسية والتبدلات القيمية .بينما ضمن الكتّاب الشرقيون كتاباتهم مضامينا اجتماعية، تتبنى الهموم الجمعية والمشاكل العامة والتوق الى الحرية والتحرر والاستقلال واعادة الكرامة للإنسان الشرقي بشكل جمعي لا فرداني .
الحوارات: نافذة على الإنسان الآخر
ان الحوارات التي انتقتها الاستاذة الدليمي، هي مناوشات ومطارحات فكرية ادبية سوسيولوجية تستنطق الانسان الاخر في كل ثيمة روائية عالمية . وتعرّج الدليمي على موضوعات الرواية المنتقاة ،بانها نتيجة استجابات ابداعية لمتطلبات الحياة ، بلغة شاعرية او شعرية او ابداعية رفيعة او ساخرة او منوعة مثّلت فسيفساء ناصعا خالصا لاهم تمثلات الرواية العالمية، المجنسة واللامجنسة منها .واساليب السرد المختلفة والمبتكرة والمطورة ،واليات وعناصر سردها ،و قد اشارت الى كتّاب الرواية في الاروغواي، بوصفها جنسا روائيا مشتركا ومشتبكا بين السرد الروائي وشذرات من الشعر والفولكلور، وكُتب الرحلات والتواريخ الكونية والمذكرات النبوئية، وهي اشبه بالموسوعة. وتبحث بعض الروايات عن ايقاع الكلمات وايقاع الحياة، الذي تذوب فيه غالبا شخصية الكاتب. وكانت الروائية التركية “أليف شفق” ، قد حددت سمات الكاتب الروائي المبدع ب ” أهمية الشغف في العملية الابداعية ،فما لم يكن الكاتب مسكونا بشغف جامح وقدرة فائقة على التخييل واحساس عال بإيقاع اللغة وموسيقاها الداخلية، اضافة الى موسوعيته الثقافية وامتلاكه موقفا فلسفيا من الحياة والافكار، لا يمكنه ان يقدم عملا ادبيا يعتد به” .
الموسوعية والإبداع الروائي
والدليمي اختارت عددا من الكتّاب من جغرافيات وتقاليد وثقافات متباينة او مختلفة شرقية وغربية، ومن صحف ومواقع اوربية رصينة معينة من دون غيرها، معللة السبب في هذا الاختيار هو اجتهادها لأن تكون الحوارات بأقصى حدود الاستطاعة ان تكون بعيدة عن الحوارات التقليدية او العابرة او المرحلية او غير ذات قيمة نفعية او فكرية للقارئ الكريم ، مجتهدة ايضا في انتخاب فقرات حوارية صالحة لمقالات بذاتها في ميادين فلسفية وتاريخية وفكرية واشتغالات سيسولوجية وسيكلوجية، تلقي الضوء الكاشف على الأنثروبولوجيا الثقافية والحراك الثقافي والسياسي والفكري في العالم .
والدليمي لم تغفل الحركة النسوية في انتقاء حواراتها ايضا ايمانا منها بمبدأ المساواة مبتعدة عن التصنيف الروائي التقليدي، وهي تقاوم رغبتها في ذلك.


