حكاية كرمانج… آخر صرخة في المهاجع

حكاية كرمانج… آخر صرخة في المهاجع
يروي النص حكاية جندي كردي بسيط تعرّض—بحسب رواية الكاتب—لضربٍ مبرح في معسكرٍ عسكري، فاشتدّ عليه الألم حتى توفي بعد عودته إلى قريته، فيما بقي الراوي شاهداً على المأساة ووخز الذنب...

شاهدُ حكايةٍ… وشاهدُ ظلمٍ لم يُمحَ بعد..

لم تكن مدرسة المعدات الفنية في ابو غريب سوى بقعة ضيقة من التراب والعسكر، حيث تتدلّى الأيام مثل ملابس مبتلة لا تجف.

وفي ذلك المكان القاسي، كان هناك شاب كردي قروي، بسيط حدّ الطيبة، اسمه كرمانج رحمان

كان خجول اللسان، ضعيف العربية، يبتسم وكأنه يخشى أن يُثقل الهواء بالضحك.

روح بريئة جاءت من سفوح الجبال، لتجد نفسها وسط معسكر لا يعرف من الإنسان سوى رقم عسكري.

لكن هناك وجوه خُلقت بغير رحمة…

أحدها كان وجه ضابط الأمن حمود التكريتي—طويل القامة,  أصفر الوجه ، بشارب كثّ وأسنان متباعدة، وملامح توحي بأن الوحش فيه أكبر من الرجل.

في صباح مشؤوم، استدعاه حمود لأمر تافه.

لم يكن بينهما نقاش… فقط سمعنا صوت  العصا الغليظة وهي تهوي ثلاث مرات على رأس كرمانج.

ثلاث ضربات… كأنها ثلاث أبواب أُغلقت في وجه حياته.

عاد إلينا يمسك رأسه، ووجهه شاحب، وصوته مكسور.

قال بالكردية والعربية المتكسّرة إن صداعًا غريبًا بدأ ينهش جمجمته.

لم يكن لدينا دواء…

كل ما قدرنا عليه هو أن نغسل وجهه بالماء ونطلب منه أن يستريح.

وفي تلك الليلة، كنت مكلفاً بالواجب الليلي وكرمانج معي في نفس نقطة الحراسة.

اقترب مني بصوت خافت:

— حسن… را… رأسي… نار…

اقترحت عليه فوراً ان اساعده في الخروج من المدرسة والهرب الى بيته بحجة شراء الخبز والطماطم من السوق القريب—وهو ما كنا نفعله نحن الجنود لنصنع عشاء بسيطًا لأنفسنا، فالجنود لم يكونوا قادرين على شراء غيرهما بسبب غلاء الاسعار

لكنه رفض. قال إنه يريد أن ينام فقط.

أكدت له  أنني سأأخذ مكانه في الحراسة، وساعدني في تقسيم وقت المناوبة   سلمان الموسوي ذلك الشاب الذي كان يلصق الرحمة على جراح هذا العالم قدر استطاعته.

نام كرمانج… أو هكذا ظننا.

وعندما أسفر الصباح، وجدنا سريره خاليًا.

لقد تسلّل من بوابة النظام الأول ثم الثاني—بنفس الطريقة التي كنا نخرج بها أحيانًا

بعد أيام، عاد بعض الإخوة الأكراد من جيران كرمانج في قريته الهادئة المعلّقة على سفوح الجبال، وحملوا معهم خبراً سقط على صدري كالصخرة:

كرمانج وصل إلى بيته… لكنه عاد وهو يصرخ من ألمٍ يمزّق رأسه، يئنّ كطفلٍ لا يستطيع أن يحتمل وجعه.»أمه العجوز كانت تشد رأسه بقطعة قماش غليظة، تعطيه الأسبرين تبكي وتقرأ الأدعية.

قالوا إن صرخته كانت تشق ليل القرية.

وفي تلك الليلة… كانت آخر نومته.

وحين وجدوه في الصباح، كان متكوّراً على نفسه كما لو أنه يحاول الاحتماء بجسده من وجعٍ لا يُحتمل، وقد ضمّ ركبتيه إلى صدره ولفّ ذراعيه حول رأسه بكل ما تبقّى فيه من قوة. كانت ملامحه متشنجة؛ كأنه فارق الحياة وهو يقاوم الألم بيديه، ويحاول الإمساك بما لا يمكن الإمساك به.

قتله حمود التكريتي…

لا بسلاح… بل بضربة عصا.

قتله النظام الذي لم يكن يرى في كل من يختلف عنه سوى “خارجٍ عن الطاعة”، لا بشراً لهم قلوب تنبض، وأمهات تنتظر، وصرخات تختنق قبل أن تجد من يسمعها.

سنوات بعد سقوط الطاغية، ظلّ وجه كرمانج يلاحقني كلما خلوت بنفسي.

كنت أحمل حكايته مثل جمرة لا تخمد.

ذهبت إلى أول مقر كردي فُتح في بغداد بعد السقوط—مقر الحزب الديمقراطي الكردستاني في الصالحية قرب وزارة الخارجية.

دخلت على الإخوة هناك وسردت لهم الحكاية كاملة: الضربات، الألم، الهروب، والليلة التي لم يستيقظ منها.

استمعوا… تأثروا… سجّلوا كل شيء.

لكن ماذا ينفع التسجيل حين تبقى صرخة كرمانج معلّقة في الهواء، تبحث عن عدالة لم تولد بعد؟

لقد رحل كرمانج… وبقيت صرخته سجينة ذاكرتي.

وبقيتُ أنا شاهدًا على وجع لا يزول…

وجنديًا حمل الذنب أكثر مما حمل السلاح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *