اختيار رئيس الوزراء بين النموذج العراقي والنموذج البريطاني: قراءة ديمقراطية حضارية

اختيار رئيس الوزراء بين النموذج العراقي والنموذج البريطاني: قراءة ديمقراطية حضارية
يشرح النصّ أن غموض المادة 76 أدى إلى حكومات تُبنى على مساومات بعد الانتخابات، ويقترح اعتماد نظام انتخابي يولّد أحزابًا كبيرة، وصياغة دستورية واضحة تُكلّف زعيم الحزب صاحب الأغلبية المطلقة بتشكيل الحكومة، بما يعزز الاستقرار والتفويض الشعبي....

يمثل اختيار رئيس الوزراء في الأنظمة البرلمانية عملية محورية في تشكيل السلطة التنفيذية وضمان الاستقرار السياسي، وفي العراق يستند هذا الاختيار إلى المادة (76) من الدستور التي تُكلّف مرشح “الكتلة النيابية الأكثر عددًا” بتشكيل الحكومة، وهي صياغة أوجدت منذ 2006 مساحة واسعة للتأويل والصراع والاختناق السياسي، إذ لم يحسم النص طبيعة هذه الكتلة ولا توقيت تحديدها، فبقي السؤال مفتوحًا: هل هي الكتلة التي تتشكل قبل الانتخابات بإرادة الناخبين؟ أم تلك التي تُصاغ بعد الانتخابات عبر اتفاقات وتحالفات؟ وقد أدى هذا الغموض إلى أن تتحول النتائج الانتخابية إلى مجرد خطوة أولى نحو مسار تفاوضي طويل ينتج عنه “كتلة أكبر جديدة” لا علاقة لها بالاختيار الشعبي المباشر، مما أنتج حكومات لا تُبنى على تفويض انتخابي واضح، بل على مساومات سياسية معقدة شاركت في إضعاف بنية الدولة وإفقاد الحكومات عنصر الاستقرار الضروري للعمل التنفيذي.

ويتعمق الإشكال في الحالة العراقية بسبب التشظي الحزبي الكبير، حيث يحصل الحزب الفائز أولًا على عدد محدود جدًا من المقاعد، كما حدث في الدورة الأخيرة عندما حصل التحالف الفائز على نحو 46 مقعدًا فقط من أصل 329، وهو ما يجعل فكرة تكليفه بتشكيل الحكومة غير منسجمة مع مبادئ الديمقراطية البرلمانية التي تفترض وجود حزب قادر على تشكيل حكومة أو قيادة تحالف واضح قبل الانتخابات. وهكذا تتحول المادة 76، بصيغتها الحالية، إلى أداة نزاع بدل أن تكون أداة وضوح، لأن الغموض في تحديد “الأكثر عددًا” يسمح بتغيير الإرادة الانتخابية في اليوم التالي لإعلان النتائج.

وعند تقييم هذا النموذج من زاوية المعايير الديمقراطية المقارنة، يتبين أنه ليس النموذج الأفضل، وإن كان منطقيًا في أنظمة حزبية مستقرة، إلا أنه ينتج ارتباكًا كبيرًا في أنظمة منقسمة كالتي يشهدها العراق. ولذلك يصبح من الضروري النظر إلى نماذج أكثر تطورًا ونضجًا، ويأتي النموذج البريطاني في مقدمتها، بوصفه نموذجًا يعتمد آلية واضحة وبسيطة وفعّالة، إذ يعرف الناخب مسبقًا زعيم الحزب وبرنامجه، ويعرف أن زعيم الحزب الذي يحقق أكبر عدد من المقاعد سيصبح رئيس الوزراء فور إعلان النتائج، من دون صفقات ولا تحالفات ضغط ولا عمليات “تجميع” ما بعد الانتخابات.

وتتجلى قوة النموذج البريطاني في أنه يقوم على منظومة انتخابية أساسها “نظام الفائز الأول” الذي يحوّل الدوائر الانتخابية إلى دوائر فردية صغيرة يفوز فيها المرشح الحاصل على أعلى الأصوات، وهو نظام يؤدي بطبيعته إلى تقليل عدد الأحزاب وزيادة حجمها، مما ينتج أحزابًا كبيرة قادرة على الفوز بغالبية المقاعد أو الاقتراب منها، ويمنح الحكومة استقرارًا مؤسسيًا وقدرة تنفيذية عالية، ويمنع ظاهرة “الحزب الأول الصغير” التي تواجهها الأنظمة الانتخابية القائمة على التمثيل النسبي الكامل كما هو الحال في العراق.

وفي ضوء هذا التحليل، يصبح إصلاح آلية اختيار رئيس الوزراء في العراق خطوة ضرورية لضمان الاستقرار السياسي وتحقيق إرادة الناخب. وينطلق هذا الإصلاح من فكرتين مركزيتين: الأولى، ضرورة تبني نظام انتخابي يقود إلى تكوين أحزاب كبيرة بدلاً من عشرات الكتل الصغيرة؛ والثانية، ضرورة وضع صياغة دستورية واضحة ومباشرة تُحيل التكليف إلى نتيجة الانتخابات بلا أي تأويلات أو مفاوضات لاحقة.

وفي إطار هذا الهدف، يمكن صياغة المادة الدستورية بصورة أكثر دقة ووضوحًا على النحو الآتي:

«يُكلِّف رئيسُ الجمهورية زعيمَ الحزبِ الحاصلِ على الأغلبيةِ المطلقةِ من المقاعد في الانتخابات العامة بتشكيل الحكومة فور إعلان النتائج النهائية.»

وتؤسس هذه الصياغة لشرعية مباشرة تستند إلى “الأغلبية المطلقة” لا إلى “الكتلة الأكبر” المتغيرة. ومعنى “الأغلبية المطلقة” هنا هو حصول حزب واحد على نصف عدد مقاعد البرلمان زائد واحد، وبذلك يصبح الحزب الفائز أغلبيةً بذاته من غير حاجة لتحالفات تمكّنه من التكليف. ويشكل هذا التحول فرقًا جوهريًا، لأن الأغلبية المطلقة تعني أن الناخبين منحوا حزبًا بعينه تفويضًا واضحًا لإدارة الحكومة، فيتحول التصويت من مجرد اختيار قائم على الهويات الصغيرة إلى اختيار سياسي حقيقي قائم على البرامج، وتصبح الحكومة نابعة من إرادة انتخابية واضحة لا من هندسة سياسية لاحقة. كما أن ربط التكليف بالأغلبية المطلقة ينسجم مع المنطق الديمقراطي الأكثر تقدمًا، لأنه يمنع صعود حكومات أقلية، ويمنع كذلك تحالفات طارئة تغير اتجاه النتائج بعد ساعات أو أيام، ويجعل السلطة التنفيذية امتدادًا مباشرًا للصناديق، لا لمفاوضات غرف مغلقة.

ولا يمكن أن تتحقق الأغلبية المطلقة في العراق بنظام انتخابي يقوم على القوائم المفتوحة الصغيرة، ولذلك يصبح الانتقال إلى نظام بريطاني الطابع، أو إلى دوائر فردية بنفس عدد النواب، ضرورة إصلاحية لا ترفًا نظريًا. فعندما يصبح البرلمان مبنيًا على دوائر فردية وفق قاعدة “الفائز الأول”، ستتقلص ظاهرة الأحزاب الصغيرة، وسينشأ حزب أو حزبان كبيران قادران على الفوز بأغلبية المقاعد، وبذلك تُعاد العلاقة الطبيعية بين التصويت الشعبي وتشكيل الحكومة، وتتلاشى أزمة “الكتلة الأكبر” التي أربكت العراق لعقدين كاملين.

وبهذا يصبح النموذج البريطاني — بما يتضمنه من وضوح وواقعية وبساطة — الأنسب للعراق، لأنه ينقل اختيار رئيس الوزراء من دائرة التفاوض إلى دائرة التفويض الشعبي، ويعيد الاعتبار لصوت الناخب، ويمنح الحكومة قوة مؤسسية واستقرارًا سياسيًا، ويضع العملية الديمقراطية في مسار حضاري متسق مع قيم الدولة الحضارية الحديثة القائمة على الإتقان والمسؤولية والاستقامة والثقة. وتتحول عملية تشكيل الحكومة إلى عملية طبيعية تشبه انتقال الضوء: واضحة، مباشرة، من مصدرها إلى غايتها من دون انكسارات أو مسارات ملتوية، وهذا هو جوهر الإصلاح السياسي الحقيقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *