وجع كوردستان وجعنا

وجع كوردستان وجعنا
يرى النصّ أن أزمات كوردستان تمسّ العراق بأكمله، محذّرًا من استغلال الفراغات لإشعال الفتنة وتعميق الانقسام. ويدعو إلى مسؤولية جماعية، وضبط الإعلام، واعتماد الحوار والتهدئة لحماية وحدة كوردستان والعراق وصون أمنهما الاجتماعي والسياسي...

وجعُ كوردستان اليوم هو وجعُ العراق كلّه، فما يجري هناك ليس حدثًا عابرًا ولا خلافًا سياسيًا يمكن تجاوزه بالمسكنات، بل حالة احتقان تتشابك فيها المصالح مع الذاكرة، وتتحرك داخلها أصابع الظلام التي لا تريد للبيت الواحد أن يبقى متماسكًا. إن التصعيد والاشتباك والنزاعات وما يتبعها من تهجير وضغط اجتماعي، ليست سوى انعكاس لفراغ خطير تُستغل فيه الثغرات وتُغذَّى فيه الانقسامات بدرسٍ متقن يهدف إلى إضعاف كوردستان والعراق معًا . وما يزيد ألم المشهد أن الخسارة لا تطال طرفًا دون آخر، فالجميع يقف فوق ذات الأرض ويشرب من ذات النبع، وكل خطوة خاطئة في هذا الظرف تُعمّق الشرخ وتُلهب النفوس وتفتح الباب أمام قوى خارجية تتربص بكل فرصة لإشعال الفتنة.

إن النار حين تشتعل بين الإخوة لا تُبقي أحدًا في مأمن، بل تأكل من أطراف الجميع دون تمييز، فتتراجع الثقة بين الناس ومؤسساتهم، ويصاب الاقتصاد بالشلل، ويختل الأمن الاجتماعي الذي يُعد أساس استقرار كوردستان ورافعة قوتها عبر التاريخ. في مثل هذه اللحظات لا يمكن لأحد أن يتنصل من المسؤولية، لا القادة السياسيون، ولا الحركات المجتمعية، ولا العشائر، ولا النخب المثقفة والإعلامية، ولا حتى الحكومة الاتحادية التي يقع عليها واجب حماية التوازن وضمان عدم انزلاق الأمور نحو ما لا تُحمد عقباه. إن تدخّل الحكماء والشرفاء بات ضرورة لا تقبل التأجيل، فالأسماء والمسميات لا قيمة لها حين يكون البيت مهددًا، والوحدة أهم من المكاسب، وصوت العقل أشرف من كل صخب . والمؤسف أن الإعلام، الذي يُفترض أن يكون عين الحقيقة ولسان الوعي، أصبح في كثير من الأحيان أداةً للتضليل وبوابةً لتحريف الوقائع ودفع الناس نحو الغضب والانفعال.

إن المجتمع الذي يتلقى أخبارًا محرّفة يتحول سريعًا إلى وقود، بينما من يقف وراء تلك الرسائل يبقى مختبئًا في الظلال. ولهذا يصبح الوعي الإعلامي واجبًا وطنيًا ومسؤولية أخلاقية على كل فرد قبل كل مؤسسة.

إن الخروج من هذا الألم لا يحتاج معجزة، بل يحتاج إرادة صادقة تضع مصلحة كوردستان والعراق فوق كل اعتبار. يحتاج إلى تهدئة لا إلى تصعيد، وإلى كلمة تجمع لا كلمة تفرق، وإلى حوار شجاع يعيد رسم الطريق على أساس المشترك لا على أساس الشقاق. الأرض واحدة والمصير واحد، وما يؤلم كوردستان اليوم يصيب العراق كله، وما يشعل الفتنة هناك تُدفَع كلفته هنا.

حفظ الله كوردستان، وحفظ العراق أرضًا وشعبًا من عبث العابثين، وجمع القلوب قبل المواقف، والكلمة الطيبة قبل السلاح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *