شركات صندوق العراق للتنمية خطوة جريئة أم تكرار لهيكلة فاشلة؟

شركات صندوق العراق للتنمية خطوة جريئة أم تكرار لهيكلة فاشلة؟
يحلّل القرار بإنشاء شركتَي طريق التنمية والسويدي إليكتريك مبيناً فرصته في خلق أدوات تنفيذية متقدمة، مقابل خطر تكرار فشل الشركات الحكومية السابقة، مؤكداً أن النجاح يتوقف على الحوكمة والاستقلالية والرقابة ومنع تضخم البيروقراطية والهيكلة السياسية....

الإطار العام للقرار

جاءت موافقة رئيس مجلس الوزراء على تأسيس شركتَي:  طريق التنمية والسويدي إليكتريك – العراق ضمن اجتماع مجلس إدارة صندوق العراق للتنمية، الذي ناقش أيضاً: آليات تمويل مشروع إيدوبا لبناء المدارس، ومتطلبات تشغيل المسارات الاستثمارية الكبرى.

القرار يهدف — وفق التصور الحكومي — إلى:

1.خلق واجهات تنفيذية مؤسسية للمشاريع الكبرى.

2.استقطاب خبرات عالمية (كما في شراكة السويدي).

3.تقليل اعتماد الحكومة على الوزارات المثقلة بالتشريعات البيروقراطية.

لكنّ الدلالة الأكبر تكمن في أنه يأتي بعد 20 عاماً من إخفاق شركات القطاع العام التي تمت إعادة هيكلتها بسبب تضخم العمالة غير الإنتاجية، ضعف الإدارة، غياب الحوكمة، وانعدام استراتيجيات التمويل المستدام.

وهنا يبرز السؤال: هل نعيد استنساخ التجربة الفاشلة ولكن بصيغة “شركات حكومية جديدة” تحت اسم “التنمية”؟

التحليل الهيكلي للقرار

البعد الإداري والمؤسساتي : الإيجابي

  • تأسيس شركات جديدة يمكن أن يخلق إطاراً قانونياً مرناً بعيداً عن البيروقراطية الوزارية.
  • شركتا “طريق التنمية” و“السويدي إليكتريك” قد تمنحان الحكومة أدوات تنفيذية مباشرة بدل الاعتماد على مقاولين وسماسرة ومناقصات مُعطّلة.

السلبي

  • خطر انزلاق الشركات الجديدة إلى البنية الصلبة نفسها للقطاع العام: محاصصة، تدوير إدارات فاشلة، تضخم موظفين، وغياب ربط الرواتب بالإنتاج.
  • استخدام الشركات كـ”أوعية مالية” لتمويل مشاريع بدون خطة أعمال حقيقية (كما حدث سابقاً في شركات وزارة الصناعة).

البعد الاقتصادي

الإيجابي

إذا أديرت الشركات بالحوكمة الصحيحة، يمكنها أن تكون: أداة لرفع كفاءة تنفيذ مشروع طريق التنمية. منصة جاذبة للاستثمار مع شريك دولي مثل السويدي. ووسيلة لتقليل كلفة التعاقدات الأجنبية.

السلبي

الخطر الأكبر: تحويل الشركات الجديدة إلى شركات عامة خاسرة تموَّل من الموازنة، فتتحول من أداة للتنمية إلى عبء مالي جديد. احتمال تكرار نماذج: شركات التمويل الذاتي، التمويل المختلط، القروض بضمانات حكومية مما أدى سابقاً إلى ديون غير محصلة وشركات مشلولة.

البعد المالي

الإيجابي

تأسيس الكيانات عبر صندوق العراق للتنمية قد يوفر: مصادر تمويل واضحة، قدرة على ترتيب شراكات تمويلية دولية، واستخدام أدوات تمويل مرنة (Guarantees – PPP – BOT).

السلبي

الصندوق الجديد قد يتحول إلى موازنة موازية غير خاضعة للرقابة البرلمانية الكاملة. المخاوف من أن تصبح الشركات قناة لتسييل أموال الدولة عبر مشاريع غير مدروسة أو ذات جدوى سياسية لا اقتصادية.

البعد السياسي والحكومي

الإيجابي

  • العراقيون والنخب الاقتصادية يطالبون منذ سنوات بإنشاء أذرع تنفيذية محترفة خارج الوزارات المتكلسة.
  • وجود شريك مثل السويدي يعطي نوعاً من الضمان الفني ويحدّ من ارتجال القرارات.

السلبي

التجربة العراقية مع “المجالس العليا” و“الصناديق” و“الهيئات” تشير إلى: خطر تسييس مجالس الإدارة، تحويل الشركات إلى مراكز نفوذ لمن يتولى حق التوقيع، وخلق طبقة إدارية جديدة تتضخم ميزانياتها الإدارية قبل أن تبدأ الإنتاج الحقيقي.

الاستشراف العملي لما سيحدث خلال 3–5 سنوات

السيناريو الإيجابي (إذا تمت الإدارة باحتراف وشفافية)

تتحول شركتا طريق التنمية والسويدي اليكتريك إلى أكبر منصتين للبناء والبنى التحتية في العراق. جذب شراكات من تركيا، الصين، الخليج، وشركات عالمية في مجال الطاقة والنقل.

تحريك الاقتصاد الفعلي عبر: تشغيل آلاف العراقيين، تنشيط المصانع الوطنية، دعم سلاسل التوريد في النقل والطاقة. وتعزيز قدرة العراق على تنفيذ مشروع “ميناء الفاو – طريق التنمية” ذاتياً وليس عبر مقاولين خارجيين فقط.

السيناريو السلبي (وهو الأكثر احتمالاً إذا لم يتم الانتباه)

تتضخم الشركات الجديدة بالموظفين المعينين سياسياً، تتحول إلى شركات خاسرة ممولة من الموازنة خلال 24–36 شهراً.

تبدأ مشاكل:

  • المشاريع المتوقفة،
  • التعاقدات غير المدروسة،
  • الخلافات بين الوزارات والصندوق.
  • تدخل الشركات في دوامة قطاع عام جديدة مثل شركات وزارة الصناعة والنقل والكهرباء.

النتيجة:

نعيد اجترار التجربة التاريخية نفسها: شركات تُنشأ تحت شعار التنمية لكنها تتحول إلى عبء مالي وإداري.

ملاحظات حاكمة يجب الانتباه لها

  1. ربط الشركات بنظام حوكمة شفاف ومستقل لا يخضع للوزارات بل يخضع لرقابة مالية مركزية ومجلس مهني.
  2. فصل الملكية عن الإدارة وتعيين مجلس إدارة مهني من القطاع الخاص.
  3. إلزام كل شركة بخطة أعمال لمدة 5 سنوات مع مؤشرات قياس واضحة.
  4. عدم تحميلها موظفي الوزارات لتجنب إعادة إنتاج نموذج الخسائر.
  5. الشراكة مع القطاع الخاص العراقي وليس الأجنبي فقط.
  6. نشر العقود والمناقصات والموازنة التشغيلية للشركات سنوياً للرقابة المجتمعية.

قرار تأسيس شركتَي “طريق التنمية” و“السويدي إليكتريك – العراق” يمثل فرصة كبيرة إذا تم تطبيقه بعقلية اقتصادية قائمة على: الحوكمة، الاستقلالية، الكفاءة، الشراكة مع القطاع الخاص، والابتعاد عن البيروقراطية الوزارية.

لكنه في الوقت نفسه يحمل مخاطر عالية أهمها:

  • إعادة إنتاج شركات عامة خاسرة،
  • خلق مؤسسات جديدة بلا جدوى اقتصادية،
  • تحويل صندوق العراق للتنمية إلى خزينة موازية خارج الرقابة،
  • تحميل المالية العامة أعباء جديدة.

الفرق الوحيد بين نجاح التجربة وفشلها: هل ستكون الشركات كيانات تجارية مستقلة أم نسخة معاد تدويرها من القطاع العام القديم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *