تجربة البرازيل الاقتصادية دروس واقعية لإحياء الاقتصاد العراقي

تجربة البرازيل الاقتصادية دروس واقعية لإحياء الاقتصاد العراقي
تعرض التجربة البرازيلية تحولاً اقتصادياً قادته رؤية لولا دا سيلفا القائمة على دعم الفقراء وتحفيز الإنتاج، مؤكدةً أن العراق يمتلك موارد أوسع لكنه يفتقر لسياسات تنويع عادلة، ويمكنه تبني نموذج مشابه عبر إصلاح الدعم والضرائب والقطاعات الإنتاجية....

حين تصنع الإرادة اقتصاداً جديداً

في تاريخ الأمم، تتكرّر الحكايات وإن اختلفت الجغرافيا ، فما حدث في البرازيل خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي لم يكن مجرد أزمة اقتصادية ، بل كان انهياراً شبه كامل للدولة بسبب سوء الإدارة والتبعية العمياء لصندوق النقد الدولي  ، قبل أن تنهض من رمادها بفضل قيادة ذات رؤية تنموية وطنية تجسّدت في شخصية الرئيس (“لولا دا سيلفا”).

قصة البرازيل ليست فقط درساً في الاقتصاد ، بل في (القرار السيادي والإدارة الرشيدة) وهي قصة تستحق التأمل خصوصاً في بلد مثل العراق ، الذي يمتلك موارد هائلة ولكنه يواجه تحديات هيكلية مشابهة لما مرت به البرازيل قبل تحولها التاريخي.

الأزمة البرازيلية قبل التحول

في ثمانينيات القرن العشرين ، دخلت البرازيل في نفقٍ مظلم من الركود والتضخم ، فالتزمت بوصفات صندوق النقد الدولي ظنّاً منها أنها طوق النجاة ، تضمنت تلك (“الوصفات”) إجراءات تقشفية قاسية والنتيجة كانت كما يلي :

1-. تسريح ملايين العمال.

2-. خفض الأجور والدعم الحكومي.

3-. خصخصة واسعة للمؤسسات العامة.

لكن النتيجة كانت كارثية وهي كالتالي :

أ- تضاعف الدين العام تسع مرات خلال 12 سنة.

ب- أصبح 1% من السكان يمتلكون نصف الدخل القومي.

ج- تفشى الفقر والجريمة والفساد، حتى بلغت العملة البرازيلية مستويات غير مسبوقة من الانهيار.

وصلت البلاد إلى حافة الإفلاس ، وبدأت المؤسسات المالية الدولية تفرض على البرازيل شروطاً تمس سيادتها الدستورية ، حتى كادت أن تفقد قرارها الوطني تماماً.

التحول الجذري في عهد لولا دا سيلفا (2003–2011)

حين انتُخب (“لولا دا سيلفا”) رئيساً عام 2003 ، لم يأتِ بخطط معقدة أو نظريات اقتصادية غامضة ، بل تبنّى (رؤية بسيطة لكنها فعّالة) تقوم على أربعة أعمدة أساسية وهي كالتالي :

1-. الصناعة.

2-. الزراعة.

3-. التعدين والطاقة.

4-. التعليم والإعانات الاجتماعية.

سياسة العدالة الاجتماعية والتمويل الذكي :

أطلق الرئيس (“دا سيلفا”) برنامجاً اجتماعياً فريداً تحت اسم الإعانات الاجتماعية المباشرة، خصص له (0.5%) فقط من الناتج القومي الإجمالي.

كانت الإعانات تُصرف نقداً لا عيناً ، لتصل إلى (11 مليون أسرة فقيرة تشمل 64 مليون مواطن) المبلغ لم يكن كبيراً (735 دولاراً للأسرة سنوياً) ، لكنه غيّر بنية الاقتصاد من القاعدة إلى القمة ، لأن هذه الأموال عادت إلى الأسواق وخلقت (طلباً داخلياً واسعاً) شجّع الصناعة والزراعة المحلية.

الضرائب والاستثمار (موازنة ذكية):

رفع “لولا” الضرائب على الفئات الغنية ورجال الأعمال ، لكنه في المقابل عمل التالي :

1-. قدّم لهم تسهيلات استثمارية غير مسبوقة.

2-. خفّض الفوائد على القروض الإنتاجية.

3-. منح الأراضي والتراخيص مجاناً للمشاريع المنتجة.

بهذه السياسة (تحولت الضرائب من عبءٍ إلى أداة تحفيز اقتصادي) لأن زيادة الدخل لدى الفقراء وسّعت قاعدة الطلب ، فازدادت مبيعات الشركات وارتفعت الأرباح.

النتائج الاقتصادية المذهلة خلال أربع سنوات فقط:

أ-. سددت البرازيل كل ديونها لصندوق النقد الدولي.

ب-. تحولت من دولة مقترضة إلى دولة مُقرِضة، فأعطت الصندوق (14 مليار دولار) أثناء الأزمة العالمية عام 2008.

ج-. عاد (2 مليون مهاجر برازيلي) إلى وطنهم  وجاء أكثر من مليون ونصف مستثمر أجنبي.

د-. ارتفع الناتج المحلي الإجمالي وازدهرت الصناعات الثقيلة ، حتى باتت البرازيل من الدول القليلة التي تصنع غواصات نووية وطائرات مدنية.

وفي نهاية ولايته الثانية عام 2011 ، رفض (“لولا دا سيلفا”) تعديل الدستور للبقاء في الحكم، مؤكداً مبدأ التداول السلمي للسلطة بقوله الشهير:

“البرازيل يمكن أن تنجب مليون” لولا”، لكنها لا تملك سوى دستور واحداً.”

انعكاسات التجربة على الواقع الاقتصادي العراقي:

يمتلك العراق مقومات اقتصادية هائلة تفوق ما كانت تملكه البرازيل عام 2003، لكن مشكلته الأساسية تكمن في (الاعتماد شبه الكامل على النفط)  وغياب التنويع الإنتاجي ، إضافة إلى (ضعف العدالة في توزيع الدخل) وارتفاع معدلات الفقر والبطالة.

لتطبيق نموذج مشابه لتجربة البرازيل ، يمكن الاستفادة من النقاط التالية:

1-إعادة هيكلة الدعم : تحويل الدعم العيني (كالوقود أو المواد التموينية) إلى (دعم نقدي مباشر) للأسر الفقيرة ، بشرط أن يُصرف وفق نظام شفاف ومؤتمت يمنع الفساد والتلاعب ، وهذا سيحفّز الطلب الداخلي ويحرك القطاعات الإنتاجية المحلية.

2- ضرائب ذكية وعدالة مالية : رفع الضرائب على الفئات الأعلى دخلاً مع تقديم تسهيلات استثمارية حقيقية (قروض منخفضة الفائدة ، وأراضٍ صناعية مجانية ، وإلغاء الروتين الإداري)، تماماً كما فعلت البرازيل ، لتتحول الضرائب إلى (محرك للنمو .. لا عبء اقتصادي).

3- دعم القطاعات الإنتاجية الأربعة : التركيز على (الزراعة والصناعة والتعدين والطاقة النظيفة) مع ربطها بالتعليم المهني والتقني ، بما يعزز (الاقتصاد الحقيقي) بعيداً عن الريع النفطي.

4- تعزيز رأس المال الاجتماعي : الثقة بين المواطن والدولة تمثل حجر الأساس لأي إصلاح اقتصادي ، يجب على الحكومة أن تثبت أن السياسات الجديدة تهدف إلى (العدالة والكرامة المعيشية) لا إلى تحميل الفقراء أعباء جديدة. كما حدث في التحول الرقمي ( الأتمته) التي رفعت الرسوم على المواطن بحجة (عمولة الشركة السمتثمرة)!

الخاتمة:

ما فعله (“لولا دا سيلفا”) في البرازيل لم يكن معجزة اقتصادية ، بل (معادلة بسيطة بين الإرادة والإدارة) لقد اختار طريق الاعتماد على الذات ، لا التبعية للمؤسسات الدولية ، فحوّل البرازيل من دولة فقيرة منهارة إلى قوة صناعية واقتصادية صاعدة خلال أقل من عقد.

في العراق، تتوافر الموارد الطبيعية والبشرية ، لكن ينقصها (رؤية اقتصادية مستقلة) تضع مصلحة المواطن فوق الاعتبارات الحزبية الضيقة ، إذا استطاع العراق أن يتبنى فلسفة (التقشف من أجل الفقراء، والتنمية من أجل الجميع)، فإن التحول ممكن خلال سنوات قليلة.

إنها ليست حكاية لولا دا سيلفا وحده، بل حكاية أي أمة تمتلك الشجاعة لتصنع اقتصادها بيدها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *